shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

 

ثورة أبو يعرب المرزوقي ثروة

 دونها ضحكات أصداف البحر

 

                            بقلم الأستاذ محمد شيدوقة                   

 

تمهيد:

أفتتح مقالي هذا بدعوى وتوضيح وأبدأ بالتالي: وخلاصته أن هذا العمل ليس دراسة  - لا جزئية ولا كلية- لفكر المرزوقي ولا توضيحا لأطروحاته – فقد يكون لذلك مناسبة أخرى – بل هو وحي الخواطر التي أفرزتها المخالطة لفكر وإنتاج هذا الفيلسوف، خواطر لا تتجاوز الوصف الانطباعي لأفكار مشنترة في كتابات الرجل يضمها إلى بعضها التصور الواحد الذي تعالج على ضوئه.

أما الدعوى التي يأتي هذا المقال ليقيم الدليل على صحتها فجملة الرأي فيها أن أبا يعرب المرزوقي بإنتاجه الغزير والمتنوع والعميق قد تجاوز السائد من أعراف الكتابة الفلسفية شكلا ومضمونا فأعقب ذلك حيوية فكرية عزّ نظيرها في الساحة العربية الإسلامية وعناوين بعض كتبه تغني عن كل تعليق هذا عدا المقالات العلمية المنشورة في مواقع مختلفة من الأنترنات والتي تجاوز عددها المائة في ما أعلم يصل طول بعضها إلى سبعين صفحة والمسترعي للانتباه حقا ليس كثرتها وإنما تنوعها وعمقها.  فأي مؤلف لهذا الكمّ الهائل من الكتابات حتما سيقع في السطحية والتكرار حتى لا نقول الابتذال، ولكن – والشهادة من الدين – المرزوقي ظل ينحت مشروعه – وإن كان لا يصف إنتاجه بذلك – بكل وضوح في التصور ودقة في التعبير والتحليل إلى درجة تكاد تقطع معها أنفاس قارئها وهو يتابع تقديره لها. ولمن صبر وتابع إنتاج الرجل تزداد قدرته على سبر أغوار منتوجه ولمن تعجل فلن يكون له حظ فيما سلف ذكره، فالرجل كما قيل – وليس فيه – دأماء لا تقطع بالأرماث وعودة إلى المقال فحوى الخاطر وإلى دعواه أقول:

المقدمة:

إن أبا يعرب المرزوقي وهو يقدّر في السرد يفرض على قارئه المثقف – وأقصد بالقارئ هنا فئة الأساتذة – عزما وجدا شديدين فهو وإن سبق له مخالطة التيزيني وحنفي والجابري وبدوي وأركون وطه عبد الرحمان وغيرهم من طبقتهم وليس أقل فإنه يصدم بنص المرزوقي: من حيث درجة تقديره العالية له شكلا – لغة – ومضمونا – منهجا ومعان – دون رطانة ولا عجمة بل هي فصاحة تجد نفسك أمامها – ولضعف فيك – تكاد لا تفقه قيلا. إن نص المرزوقي باختصار مركز ومحبك إلى درجة يجعل الارتحال فيه رحلة عذاب لا زاد لك فيها إلا الصبر وإلا فخير لك أن تتركه جانبا وتذهب لمن بضاعته دانية. كذلك إن متنه يفرض النجدة باستمرار والهامش بدوره كذلك وهو الذي يفترض فيه أن يكون منجدا...

تعريف وتحليل:

خمس(*) خواطر هي الماثلة في ذهني الآن ويأتي المقال إظهارا  لإحداها.

إن نزعة المرزوقي الاسمية في الكثير مما يطرح ليست بالأمر الخفي وهذا ما أريد التعليق عليه هنا، والمقاربة أصنفها ضمن تحليل تاريخي لمتفرقات فلسفية من جهد هذا الفيلسوف أستغلها كشاهد على صحة الدعوى المرفوعة أعلاه، وما يبيح لي مثل هذا النوع من المعالجة إمكانية حمل تحليلات المرزوقي على محمل التأريخ إذا اعتبرنا الفلسفة في جزء منها تفسيرا مثلها مثل التاريخ والمشترك بينهما أن المؤرخ يسرد الأحداث والفيلسوف يحللها وكلاهما يسعى إلى التفسير فهو كغاية يجمع بينهما ويفرق بينهما كطريقة فما ننتظره من المؤرخ هو التحقيق في صحة وقوع  ونسبة الشيء لصاحبه والترتيب التقويمي (حدث بعد حدث) أما ما ننتظره من الفيلسوف هو التعليل المنطقي لما حدث ضمن تصور ينشئه وفي إطاره يعالج الحدث (حدث بسبب حدث) وتحليل المرزوقي لجهد الكثير من السلف الفلسفي خاصة يحمل بذرة التفسير بالمعنى السابق الذكر والذي وسمناه بالإسمية.

ومن القواعد المنهجية المساعدة على قراءة المرزوقي نذكر: إن ما تستوعبه كتابات هذا الفيلسوف من نماذج فكرية فلسفية يحمل على أنه مثال على نظرية عامة سطرها صاحبها وفق مبدإ "إدماج المصالح مع العلل العقلانية" كأن تكون النهضة مثلا هي المصلحة المرجوة ويكون الاندراج الحضاري هو التعليل العقلي لعدم حصولها، مثل هذا المبدإ – أو القصد بلغة أوغسطين  - يحكم انتشار المرزوقي في التراث فيستدعي منه ويستبقي – بلغة هوسرل – ما يؤكد صحة وجهة نظره.

وباختصار نقول إن مبدأ التفاعل بين التوقعات المحكومة بالمصالح وبين العلل المحكومة بالعقلانية النقدية يصلح أن يكون مدخلا لفهم الحوار الخفي الذي أنشأه المرزوقي بين المدرسة الإسمية والمدرسة الواقعية في إنتاجه الغزير والعميق وإني لأجد في ذلك طرافة تؤذن بصيد أترك الحكم عليه للقارئ ولنذهب الآن إلى التفصيل بعد هذا التعميم، والبداية تكون مع توضيح المعاني:

فالاسمية نزعة تكسب صاحبها رؤية خاصة للأشياء فهي في الفلسفة طرحت كحل لمشكل الكليات  فالكلي عندهم لا يولد في الذهن إلا من خلال النظر المخصوص في الصور الحسية وخصوصية هذا النظر أنه لا يركز على سماتها الفردية بل المشتركة وهذا النظر سابق في الوجود عن الكلي (فالنوع لا يوجد قبل الفرد الموضوع الأول للمعرفة)، والاسمية في التاريخ من معانيها أن أحداثه أساسها الجهد الفردي بعكس المدرسة الواقعية فالأحداث فيه أساسها المؤسسات والكيانات العامة التي ينتمي إليها الفرد وتؤثر في توجهاته لذلك نجد المدرسة الاسمية تفرط في الاهتمام بالتاريخ السياسي فهو مجال يؤكد صدق فرضياتها، أما المدرسة الواقعية فإنها تؤرخ للظواهر ومثاله القريب مدرسة الحوليات الفرنسية (كتاب جاك لوغوف: "التاريخ الجديد" ترجمة محمد الطاهر المنصوري – طبعة المنظمة العربية للترجمة 2007) ومن هنا اهتمامهم المفرط بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي خاصة فهو مجال تأكيد صدق فرضياتهم ولم يلتفتوا بقوة إلى التاريخ السياسي لأنه من عمل أشخاص – ملوك وزعماء – ضمن هذا الإطار نقف على بعض تفسيرات المرزوقي لتحديد ما كان منها اسميا وما كان منها واقعيا والمراد قراءة الحوار الطريف الذي أقامه المرزوقي بقصد أو بدون قصد بين الطرفين وشاهدنا الأول في هذه الرحلة القصيرة  الغزالي: فلقد تداخل المنزع الاسمي مع المنزع الواقعي عند المرزوقي في تفسيره لمنتوج "حجة الإسلام" : أما الاسمية فبجعله الغزالي مؤسسا لمنهج مميز في التأليف الكلامي عندما رفض الرجل أسلوب القدامى في تقرير العقائد والذي كان يجمع بين المضمون العقائدي والجهاز المنهجي المستعمل لإثباته فالمؤمن يؤمن بالعقيدة وبأدلتها وهذا ما يطلق عليه (التعاكس بين الدليل والمدلول كما أورده المرزوقي) فالغزالي هو المؤسس لنفي هذا التعاكس فقد فصل في تأليفه الكلامي بين العقيدة وبين حجج إثباتها وهو بهذا يكون المفتتح للتمازج بين الفكرين الديني والفلسفي وهذه ظاهرة أخرى سادت لفترة الثقافة الإسلامية وكان أساسها عمل فردي (هذا ما نجده صريحا في كتاب "الوعي العربي في قضايا الأمر") أما واقعية المرزوقي تجاه هذا الفيلسوف – الغزالي – وهو فرد مهما عظم شأنه أنه  جعل بعض إنتاجه الفكري ينتمي إلى تيار عام تبنته السلطة السياسية السنية في فترة ما خلاصته دعم الدولة بتأسيس الدعوة والاستعانة بها لتكريس سلطتها الروحية (مقابل ما عليه الشيعة فقد كانت لديهم الدعوة ولم تكن لهم الدولة كما هو الشأن عند السنة فكانوا يسعون بخلاف سعيهم). فالغزالي في تأليفه لـ "فضائح الباطنية" مثلا هو جزء من حركة كيانات عامة (وهي هنا الجامعات السنية في عهد الدولة السلجوقية) فعلى ضوء هذه الإرادة العامة – تدعيم الوجود المادي للسنة بالوجود الروحي – نفهم المراد الخاص من تأليف "فضائح الباطنية" (وهذا ما نجده صريحا في كتاب "منزلة الكلي في الفلسفة العربية" – ط. 1994).

 ومن التوافقات الاسمية ما افتتح به المرزوقي كتابه "الابستمولوجيا البديل" – ط.1985 فهو ومن خلال هذا الإهداء يفسر حدث تعريب الديوان وهو ظاهرة حضارية ثقافية عامة تمت بقرار من عبد الملك بن مروان – وهو فرد – فالمؤلف هنا اسميّ بامتياز وكإشارة سريعة إلى هذه الظاهرة نقول: إن تعريب الديوان كان من أهم منجزات عبد الملك بن مروان وقد بدأ في الكوفة سنة 78 هـ وبأمر منه ومراقبة من الحجاج وامتد إلى الشام سنة 81 هـ ومن بعدها إلى مصر والمعلوم أن ديوان العراق كان يكتب بالفارسية وديوان الشام بالرومية وديوان مصر بالقبطية وبتعريبها تخلصت الدولة من الموظفين الأجانب وما كان لهذه الظاهرة من سلبيات – دون أن نبخسهم حقهم في حضارتنا – وصدق صاحب الإهداء عندما جعل من نتائج هذا العمل تخليد لغة القرآن فبعملية التعريب تم قطع أصل تلك اللغات من إدارة الدولة وتقليص حضورها في الوسط الشعبي ومما ورد في هذا المعنى ما نجده في كتاب "تاريخ الخلفاء" (مؤلف مجهول نشر النسخة المصورة وكتب المقدمة بطرس غرياز نيويج: موسكو 1967) أن صالح بن عبد الرحمان وهو ابن أحد موالي بني تميم وكان من سبي ساجستان ولذلك كان يتقن الفارسية والعربية لما عرّب ديوان الكوفة تحت عين الحجاج وعلمه: فقد غمّ فعله هذا الفرس كثيرا لأنه قطع عنهم موردا ضخما للرزق ووسيلة هامة لانتشار لغتهم ولخطورة ما قام به قال له أحدهم (قطع الله أصلك كما قطعت أصل الفارسية) والشاهد في ما روينا أنك وأنت تقرأ هذا الإهداء وفي هذا الكتاب بالذات ترجع بك الذاكرة إلى الفترة التي تم فيها هذا الحدث ولكن المرزوقي لا يتركك كثيرا مع ذاكرتك فهو وبفعل قوة الحبك وعمق الدلالة ينبهك أن التاريخ كما نقرأه هنا ليس رواية للأحداث بل معرفة بالأسباب المحددة لمساره، فالحدث أحيانا يرد كموضوع معرفة وأحيانا – وكما هو الشأن هنا – يرد كوسيلة كشف والمؤرخ أو لنقل الفيلسوف هنا يرتب كياناته حسب أهميتها الاستكشافية: والبحث في الإجراءات التفسيرية التي بثها الكاتب في مؤلفاته يؤثر على قدرة القارئ على متابعة تحليلاته، ومن عمق هذا الإهداء نستنتج أن الفرد (وهو هنا عبد الملك بن مروان) عنده لا يذكر بصفته الشخصية بل بصفته الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية فهي مرجع سرده.

والشاهد الثالث على ما نزعم تفسير أبو يعرب لمنتوج علماء السنة في الفقه وأصوله خاصة فهو حسب رأيه خضع لظاهرة عامة ملخصها سيطرة الهامشي من التيارات على الرئيسي منها (في هذا المجال) ومثاله سيطرة الاعتزال – الهامشي – على أغلبية السنة – الرئيسي – فهم (السنة) مثلا يقولون بالقياس وهو أداة معتمدة عندهم في الاجتهاد وشرط القول به الأخذ بمبدإ التحسين والتقبيح العقلي - وهو مبدأ اعتزالي- فالقول بالقياس مسبوق بالتسليم  بأن الأحكام الشرعية معللة لأن أساس القياس الاشتراك في العلة بين الأصل والفرع فهو إلحاق فرع بأصل للاشتراك في العلة وهذا الإلحاق غير ممكن إلا إذا قلنا بمبدإ التحسين والتقبيح العقلي والحرج في مثل هذا الاجتهاد حسب المرزوقي مضاعف فهو ليس إلحاق مضنون بمعلوم فقط في الحكم بل وفي القداسة أيضا (والخلفية الواقعية واضحة هنا) والشاهد هنا ليس القياس كأداة في التشريع وإنما كفعل اجتهادي فردي خاضع لظاهرة  تتحرك ضمن كيانات عامة.

والشاهد الرابع على واقعية الكاتب انضواء جهد جل المفكرين العرب والمسلمين المعاصرين تحت لواء تيارين سائدين اليوم هما العلمانية والأصلانية فالأصلاني يغلب عليه في إنتاجه بيان بطلان أطروحة العلماني في النهضة والعلماني يغلب عليه في إنتاجه بيان بطلان أطروحة الأصلاني في النهضة وهكذا يتأسس الجهد عند كليهما على هدم ما يبنيه  المخالف فلم يقم بناء ولم تحصل نهضة.  إن واقعية أبي يعرب في المثال السالف تظهر في أنه لا يعرف الفكر الحديث بالأفراد وإنما يعود به إلى مؤسسات وتيارات وهي كيانات الصف الأول عنده في تفسير ما يحدث من انحطاط.

والشاهد الخامس على الدعوى المرفوعة أعلاه تفسير الكاتب جهد الكثير من علماء السلف وخاصة منهم الفلاسفة بظاهرة "تعقيل النقل وتنقيل العقل" فهو لا يحمل حركة الترجمة التي شهدها عهد المأمون على نفس محمل جل بقية المفكرين فقد رأى فيها عملا سابقا لأوانه أفقد الأمة خصوصيتها الحضارية والثقافية عموما وكانت منزلقا للاندراج الحضاري، والمربك هنا أن المؤلف يعود بهذه الظاهرة العامة إلى عمل أفراد عندما جعل من الغزالي جسرا مرت منه فلسفة أرسطو ومنطقه خاصة إلى الكلام الإسلامي فتداخلت المعارف الذاتية مع المعارف الأجنبية.

ومن معمقات المعطى التاريخي في إنتاج هذا الفيلسوف توظيفه الخيال في قراءة زمن الحضارة العربية الإسلامية: فلقد استبدل سؤال النهضة المشهور بسؤال جديد مهجور والأول هو لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ والبديل الذي أنشأه صاحبنا هو ما الذي حدث في الحضارة العربية الإسلامية وكان يجب أن لا يحدث وما الذي لم يحدث وكان يجب أن يحدث ؟ فهل بمثل هذا السؤال يسعى المرزوقي إلى تأهيل عامل تاريخي ما لوظيفة السببية؟ هنا يظهر الجهد الفلسفي الممزوج بالرؤية التاريخية فنتيه في التقاط قصود فيلسوفنا وطرق انتشاره في الماضي – بلغة أوغستين – وإذا أردنا الظفر بعلم صريح وصحيح فلا بد من إدراك قوانين الاستدعاء والاستبقاء – بلغة هوسرل – التي بثها الرجل في طول وعرض ما ألّف. لقد سبق القول: إن التفاعل بين التوقعات المحكومة بالمصالح وبين العلل المحكومة بالعقلانية النقدية يصلح أن يكون مدخلا لفهم الحوار الخفي الذي أقامه المؤلف بين الإسميين والواقعيين والحقيقة أن هذا التفاعل يصلح أيضا أن يكون مدخلا لإدراك عمق ما يزخر به نصه فيمنحك من المتعة ومن المشقة ما لا ندري معه إن كنت تدرك علم ما كنت تجهله أم أنت تدرك بطلان ما كنت تعلم؟ إن السؤال السالف الذي أنشأه الكاتب يضعنا أمام إمكانية تحديد النسبة السببية المقرِّرة لأهمية حدث ما دون غيره وهذا ما نجده عند ماكس فيبر مثلا – ولست أدري من غيره عُرف بهذا – فهو يتخذ من الخيال مجالا لافتراض عكس ما حدث ومنه يفتح مسارات لمعرفة الحدث الأنشط في تحريك التاريخ وبمثل هذا نستطيع معرفة ما كان عرضيا في الإنشاء الثقافي الإسلامي وما كان جوهريا وإلى مثل هذا القانون نُرجع اهتمام الكاتب بالغزالي مثلا وإهماله النسبي لابن باجة إنه قانون الاستدعاء والاستبقاء الهوسرلي فمن خلاله يريد تحديد درجة تأثير فيلسوف ما دون غيره في المجال الإسلامي، ولذلك قلنا إن التاريخ في كتابات أبي يعرب ليس رواية فحسب بل هو معرفة بالأسباب وتكوين عقلي لمساره فافتراضه عدم حصول نقل الفلسفة اليونانية في حينه إلى المجال العربي الإسلامي يبين خطر ما حصل كما يرفع من درجة احتمالية حدث الترجمة السببية. إن الكاتب بوضعه زمنا لا زمنيا مقابل ما حدث يؤكد لمن يصبر على إنتاجه صفة المبدإ الذي سبق وضعه كمدخل لفهمه (إنه التفاعل بين التوقعات المحكومة بالمصالح وبين العلل المحكومة بالعقلانية النقدية).

الخاتمة:

ونعود فيها إلى الدعوى فالكاتب كما قلنا متجاوز للمذهبية وللنمطية بامتياز فهو يأخذ بالإسمية كنزعة طرحت نفسها حلا لمشكل الكليات واعتبرت حقائق الإيمان مستعصية على العقل والمرزوقي في انتمائه لها كان واضحا وبشدة من خلال مناظرته الطويلة والعريضة مع - الشيخ-  سعيد فودة والتي امتدت خلال صيف 2008 فقد رفض فيها وبكل جرأة وقوة ما ساد من تقاليد منهجية ومضمونية في إقرار عقيدة الإسلام فعلم الكلام عنده لا يمكن اعتباره علما بالمعنى الاصطلاحي للكلمة لأنه إعمال للعقل في ما لا يجوز إعماله فيه فأصحابه – علماء الكلام – يريدون إخضاع الوجود الإلهي لقانون عقلي اجتهادي وليس هذا مجال مناقشة هذا الطرح فالشاهد هنا تعصب الكاتب لإسميته وفي المقابل نجده متجاوزا لهذه الاسمية عندما رفض الرأي الشائع عند أقطاب هذه المدرسة – ومنهم ويليام أوف أوكام – والقائل بفصل الدين عن الفلسفة فهو لم ينحو هذا المنحى وقال بالوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي وهو في هذا ليس واقعيا بالضرورة وإنما هو رفض للدغمائية المعرفية والتعصب للمذهبية. ولن نختم قبل أن نمر على هذه المسألة ولو مر الكرام

- ففي كتاب "منزلة الكلي" خاصة يبين الكاتب ومن خلال تحليله لجهد ابن سيناء والغزالي كيف تم تكليم الفلسفة وتفلسف علم الكلام، وفي حواره مع الطيب التيزيني "آفاق فلسفة عربية معاصرة" – ط.2001 بين كيف أنه لا وجود لعقل بدون نقل ولا وجود لنقل بدون عقل فنفى نفي حاجة العقل للنقل كما نفى نفي حاجة النقل للعقل، وحاجة الوحي للعقل قد عبر عنها القرآن – كما ذكر المرزوقي – بمفهوم التدبر والاعتبار وحاجة العقل للوحي فقد أدركها العقل بإدراك حدوده، وفي كتابه "وحدة الفكرين الديني والفلسفي – ط.2001" بين أن الفلسفة والدين متحدان في الجوهر وأنهما يتقاسمان الهم المعرفي فالفكر الفلسفي يهتم بالطبيعة وبالشريعة وبهما أيضا ينشغل الفكرر الديني إلا أن الأول يغلب عليه الانطلاق من علوم الطبيعة إلى علوم الشريعة ويغلب على الثاني الانطلاق في الاتجاه المعاكس. إن علم الطبيعة يعتبر في رأيه من طبيعة علم الشريعة فكلاهما جملة من التصورات يضعها الإنسان بحسب إمكانات عصر، وفي كتابه "فلسفة الدين من منظور الفكر الإسلامي – ط.2006" بين المؤلف مراحل اندماج الفكرين في كلا الاتجاهين معتمدا على مثال التجربة العربية الإسلامية مع إمكانية قراءتها في تجربة حضارات الأديان السماوية المنزلة الثلاث وهي خمس أولها العداء بين الفكرين وآخرها اكتشاف الوحدة الجوهرية والتكامل الوظيفي بينهما.

هذه خاطرة تاريخية أولى من وحي كتابة فلسفية علمية مرهقة وممتعة ومن ميسرات قراءة هذا الفيلسوف إدراك قوانين الاستدعاء والاستبقاء التي أنشأها ليقرأ بها التراث والواقع معا والتي على أساسها مثلا حكم على الفكر الاسلامي في مراحله الأولى عدم استفادته من الثورة القرنية وأجده في هذا قريب جدا من الشيخ علي حب الله في كتابه "المقدمة في نقل النثر العربي" – ط. دار الهادي 2001 وهذه القوانين ستكون موضوع خاطرة أخرى وللحديث بقية...

* ومن القدر حتى لا أقول من الصدف أنها خمس رغم رفضي لتخميس المرزوقي للمسائل وللتذكير فقط فإن الصلوات المفروضة ليست خمسا والحواس ليست خمسا أيضا وهي من مطمئناته في التخميس.