


ثورة الشعوب العربية وانحسار اللامعنى
محاولة في التحليل الكلي للمشهد السياسي العربي
محمد سراج
يبدو أن الذي يحدث في لبنان الشارع عبر سنّته بعد شيعته هو الحدث الأكثر انفصالا عن وقع الشارع العربي اليوم، حيث يظهر أكثر ذاتوية وتمفصلا ليس فقط روح المواطنة اللبنانية بل يتمفصل بكل أطيافه نخبة وشعبا عن روح الهوية العربية، فلا تفسير للجولات السياسية الحاصلة في لبنان منذ سنوات إلا فقدان البوصلة السياسية واللامعنى المنتشر في أوساطه، داء جلبته عليه الطائفية السياسية تنخر جسده، فكيف بالوطن الذي هو فعلا رمز التعايش الحضاري العربي يتحول إلى قطعة مفصولة ولو ظرفيا عن محيطها العربي؟ وكيف سيستطيع سبيلا إلى أن يستعيد مكانته؟
لقد استحوذ "حزب الله" على المشهد اللبناني وانتحل لنفسه دور البطل دون منازع، خاصة بالنسبة للنخب السياسية العربية التي صار في سياستها المحور الرمزي! فضلا عن شعوبها التي صارت ترى فيه النموذج الأمثل لخلاصها. فكيف ذلك؟ لقد جاء الجواب الفعلي من الشعوب العربية ذاتها، جاء من روح الثقافة الإسلامية الخالصة التي نافحت عند أول ظهورها عن المستضعفين في العهدين القرشي (فعلا) والفرعوني (قصّا).
إن الشعب العربي يهب اليوم بما يهز العرش الأكبر في قلب الوطن العربي، الدولة الإسرائيلية. وذلك لكون الأمر لا يتعلق بخدش بسيط آت من دولة أولى بها أن تفكر في إصلاح البيت الداخلي الذي هو على شاكلة بيت العنكبوت بدستوره الطائفي! ولا تشكل خطرا حقيقيا على الدولة اليهودية.
فانتفاضة الشعب العربي هز فعلي للعرش اليهودي يؤدّي أولا بإسرائيل لتراجع طريقة كلامها مع المفاوض الفلسطيني الذي فضحه إعلام لسنا ندري أهو يقرأ الحدث العربي الراهن بأحدّ الذكاء أم كان يسعى لغير ذلك.
فالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني لم يؤثر قيد أنملة في تمادي الاسرائيليين في اغتصاب الحقوق الفلسطينية، بل على العكس من ذلك لقد أدى الاستعمال الأيديولوجي لحزب الله لما حققه إلى عزل الحاكم العربي ومنه المفاوض الفلسطيني عن الشعب أكثر من ذي قبل، باعتباره خلق "نموذج نجاح عربي"، وقد كان يفترض أن يكون الانسحاب الإسرائيلي نجاحا للبنانيين وبفضل تعاونهم.
التعامل الأيديولوجي لحزب الله مع النصر الجزئي الذي حققه دفع بالمسؤول العربي إلى موقف أجلى وأوضح انفصالا عن الإرادة الشعبية، إذ جرّده حتى من الشعار الباقي بينه وبين شعوبه، في وقت تواطأ فيه الاسرائيليون على قتل رمزي الوحدة الفلسطينية وآخر شخصياتها الحكيمة الشيخ ياسين والمناضل عرفات، وذلك لخلق أفضل وضع لإسرائيل منذ بدء الاستيطان، وهو ماتحقق لها فعلا اليوم، فأين النصر المدعى عظيما، ولا حاجة لنا للقول بأن لكل نصر نتائج، لكن يبدو أن النتائج كانت للمنتصر فقط. ففي كل الأحوال لا يرق نصر حزب الله إلى نصر استراتيجي ما دام لم يخلف انتصارات عربية متوالية فصلا عن عدم تحقيقه انكفاءات متوالية كذلك للعدو، بل رأينا العكس تماما عندما "كشف المستور".
وإذا قرأنا الوضع من زاوية معاكسة وجدنا أن تواصل القطيعة بين الحاكم العربي المستبد والشعوب المستضعفة، بفعل نموذج حزب الله وعوامل أخرى، وجدنا أنه ساهم كثيرا في اعتراض الشعوب على حكامها باستسلامها شبه الكلي للوضع الدولي السائد، ومواصلة التسليم في الحقوق العربية التي رمزها فلسطين، فضلا عن الاستئثار بثروات البلاد العربية لصالح عصابات قليلة العدد، انسجاما مع منطق النموذج العولمي الرأسمالي السائد.
فبثورة الشعوب العربية إذن اكتملت صورة المشهد العربي ضمن سياقه الدولي، كما اكتملت الصورة الرمزية للمشهد اللبناني الساعي عن طريق حزب الله إلى الاستئثار بالموقف الروحي والثقافي للشعوب العربية، فحزب الله رمز إلى سقوط القناع الأخير عن النظام العربي طردا وعكسا، فإذا كان الطرد قد تبين من كونه وسع الهوة من الحاكم والمحكوم العربي الموجودة أصلا، فإنه جعل من الشعوب تتحرك لتخلق نموذجا بديلا عن حزب الله ذاته، دون وعيهما معا، نموذج شعبي مصدره الشعب وغايته الشعب، لا أدلجة ولا تسييس ولا قائد، حيث الكلمة للشعب للأفراد المكونين للشعب، وتلك هي الحرية الحقيقية التي لاتنطوي على أي تزوير...
ذلك أن المسار السليم لثورة الشعب التونسي - والمصري الذي يحاولها- سيسفر عن النموذج المدني المطلوب، المتحرر من أي شكل تقليدي في الحكم، ولعلها الحركة النوعية للنهضة العربية التي تحاول منذ قرون، فلاشك أنها الغاية، ولكنها بداية السعي إلى بلوغ الغاية، الحريات أولا، ذلك أن "روح الشعب" القائمة على هوية الشهود الساعي للاستخلاف هي الثابت الوحيد في كل ما يحدث راهنا وما حدث ماضيا أيضا.
وإن ثورة كهذه ستغير كذلك من "رؤية العالم" بالنسبة للإنسان العربي الهوية الإسلامي الروح، فتنفتح أمامه رؤى لم تكن ممكنة أمامه بالأمس القريب.
ختاما تبقى الثورة المطلوبة من الشعب اللبناني اليوم هي الانقلاب على الدستور الطائفي أولا، الذي هو انقلاب على النخبة المتسيدة مشهده السياسي منذ الحرب الأهلية بجميع أطيافها، وتحريك الشعب ورقة الدستور هو في حقيقته زلزلة لكل النخب السياسية في لبنان والتي تعتاش على المهاترات الطائفية والتحريك الدولي على شاكلة مسرح العرائس، فالنموذج الوحيد الذي يوحد اللبنانيين هو الدستور الحر القائم على مبادئ الحداثة الحقيقية، خلافا لدستور طائفي أكثر تخلفا حتى من الدساتير الملكية.
لما تصل شرارة الوحدة الشعبية إلى لبنان، وهذا ليس من الأمور المنظورة حاليا، نظرا لتعقد المشهد اللبناني وارتباطه الوثيق بالمصالح الدولية والإستراتيجية، نكون قد طوينا صفحة مجيدة في تاريخنا، نتيجته الرئيسة انحسار العرش الأكبر في الوطن العربي، الدولة الإسرائيلية.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |