


وما يخدعون إلا أنفسهم
أبو يعرب المرزوقي
برر فاقدو الشرعية بقاءهم على رأس الدولة زاعمين: نعتمد الدستور الحالي في إجراءات المرحلة الانتقالية لتجنب الفراغ. وانتقلوا بارتجال منقطع النظير بين ليلة وضحاها من فصل إلى فصل في الدستور على علاته. ولما استقروا بفتوى فقيه العلمانية ردا على احتجاج شيخه فاعتمدوا على الفصل السابع والخمسين أسسوا للاستخفاف قصد (أو بغير قصد حتى لا نحاكم النوايا) للعبث بالقانونية: إذ يعلم الجميع أن المرحلة الانتقالية المسموح بها للرئيس المؤقت لا تتجاوز الشهرين بمقتضى هذا الفصل وهي لمهمة بعينها هي انتخاب الرئيس غير المؤقت.
ثم برروا الحفاظ على رؤوس النظام السابق بالحاجة إلى الاستقرار فأسسوا لعدم النظام المطلق إذ أضافوا إلى فقدان الشرعية الذي انطلقوا منه العبث بالقانونية الذي انتهوا إليه: وكانت النتيجة الحتمية التلاعب بهيبة الدولة التي صار حال حكومتها من حيث توالي التحويرات أشبه بحال حكومة بورقيبة لما خرف وصار الأمر والنهي بيد عجوز شمطاء. فهل تكون عجوز شمطاء أخرى تعمل في الخفاء لتعيين الوزراء من بطانة أزلام النظام ؟
ثم برروا التغيير الموعود بما بشبه نقلة الولاة في نظام مستقر: غيروا الأشخاص المعلومين للجميع بأشخاص من جنسهم ظنا منهم أنهم غير معلومين فإذا بهم لا يمثلون إلا الجيل الثاني من نفس الطينة. ووصلوا ذلك بفتح شاهية المطالبات عن طريق التلفزات والإذاعات التي تحولت بين العشايا والأمسيات إلى صوت الشعب لعرض الشكاوى والتكبيات لكأن هذا الشعب نزل من المريخ ولم يكن على أرض تونس التي كانت نفس التلفزات والإذاعات تصفها بكونها فاقت سويسرا في طيب العيش والرفاهيات والكماليات.
كل ذلك يتم بتواطؤ بين ما يسمى معارضة ويعلم الجميع أنها لا تمثل ما يملأ قاعة اجتماعات الوزارات التي ارتموا عليها ارتماء الذباب على بقايا العسل الذي تركه النظام البائد متصورين أنها ستكون مقفزهم في المعركة الانتخابية التي يستعدون لها بنفس آليات النظام الذي يزعمون أنهم دخلوا الحكومة لإصلاح ما أفسده: استعمال الدولة مقفزا للقوة السياسية (خوفا من ظهور القوى الفعلية للمجتمع قواه التي كانت مغيبة سواء كانت من اليسار أو من اليمين) بدل العكس في كل أنظمة العالم.
ذلك هو من سوء التدبير المنافي لكل قيم الثورة التي دفع الناس دمهم من أجلها. فقيادة الدولة الشرعية لا تصدر إلا عن القوة السياسية الفعلية أعني عن تمثيل شرائح من الشعب وليس عن الاتكاء على المغريات المستمدة من توزيع الهبات والكراسي باستغلال النفوذ الوزاري الذي بدأ منذ اليوم الأول لجلوس هؤلاء المعارضين المزعومين أو ما يزعم من شخصيات وطنية مستقلة لعبت على كل الحبال في كل العهود الماضية سواء بتوسط الحزب أو بتوسط الاتحاد.
واكتملت اللعبة بأن هبت قيادات الاتحاد المترهلة لتلجأ إلى سياسة التسيب النقابي فتترك على الغارب حبل المطالبات حتى يستفيد الاتحاد من هذه الحكومة الضعيفة التي لا تمثل مصلحة الدولة وهيبتها لكونها عديمة الشرعية والقانونية (ni légitime ni légale) استفادة انتهازية يؤسس عليها شرعية ممكنة في انتخابات مقبلة سواء داخل الاتحاد بين القيادات المتنافسة أو في السلطة السياسية التي ساهم الاتحاد في إفسادها خلطا منه بين النقابي والسياسي. والمعلوم أنه إذا تحولت الثورة إلى مطالب نقابية فئوية فعلينا أن نقرأ عليها السلام.
ألا يكفي قيادات الاتحاد ما عرفت به من فساد في الماضي لا يقل عن فساد قيادات النظام حتى تحاول أن تستعيد بعض الشرعية بتهديم قيم الثورة وأساسها من خلال تحويل حركة الشارع الثورية إلى سلسلة من الإضرابات فتدخل الفوضى على مصالح الدولة والمجتمع الأساسية وتفرض مطالبات على حكومة فاقدة للشرعية والقانونية ومن ثم فهي مستعدة لكل التنازلات دون وعي بالعواقب التي تنوء بها جبال الدول الغنية فضلا عن ميزانية تونس المسكينة ؟
أما داهية الدواهي فهي اللجان الثلاث وما أدراك ما اللجان الثلاث: فهي أثافي المخادعة التي ينبني عليها المتحيلون هدف الإبقاء على ما كان موجودا من خلال طلائه بمساحيق الخبرة القانونية التي لا تساوي فلسا. ما علمت في حياتي ثورة تضع الحصيرة قبل الجامع حصيرة تصور الصيغ القانونية قبل جامع المبادئ العامة للنظام السياسي والاجتماعي والتربوي والاقتصادي والثقافي من منطلق مقومات هوية الأمة التاريخية. ما علمت في التاريخ نخبة فعلت ذلك إلا وكان داعيها مخادعة الشعب والله. وما تبرؤ رئيس لجنة الإصلاح القانوني والدستوري من نيته المساس ببند الدستور الأول إلا مما يؤيد ما كان القصد لأن مقاله في التاسع من الشهر الفارط دليل عليه حتى بعنوانه: L’impossibilioté de concilier le croyant intégral et l’Etat de droit.
وهي تخادع الشعب لأنها لا تستفتيه في مايريد بل تستفتي بعض من لا يؤمن إلا بقيم تتنافى مع أبسط قيمه وأولها القول إن دولة القانون لا يمكن أن تتعايش مع الإيمان التام. وهي بذلك تخادع الله أو سننن الكون لأن كل دولة تشترط في قانونيتها نقصان الإيمان لا تكون إلا مافياوية بالجوهر لأنها تتصور حقوق الإنسان ليست ذات أساس إيماني وخلقي حتى في فكر الحداثة التي يدعون تمثيلها: فقانونها سيكون بالحتم قانون الغاب ولا تعتبر حقوقا عنده إلا حقوق الأقوياء الذين يريدون أن يعيشوا بقيم تجعل الحكم لا يخرج من "أبناء علي الثلاثة" الباي وبورقية وآخرهم الجربوع الذي فر مع حلاقته.
كذلك يتحقق التسلط على بقية الشعب وخاصة من يعتبرونهم عربانا وعبيدا قادمين من آفاق الجنوب والغرب والوسط وفيافيهما. فيكون من يدفع بدمه ثمن الحرية لتخليص البلاد من الاستعمار الأجنبي أولا مهيئا بالطبع ليكون خاضا للاستعمار الأهلي متناسين أن من هؤلاء من هو أعلم بالقانون والفكر الحديث من أسياد أسيادهم: فهم على الأقل يعملون أن حقوق الإنسان تفترض الإيمان التام بأن الإنسان فكرة ومثال أعلى نسعى إليها وليس بعض النخب الفاسدة التي تتصور الثورة بحاجة إلى خبرتهم في النسخ الببغاوي لدساتير لا صلة لها بروحانية الأمة.
ثم هو ذا الشعب الذي يحتقرونه يدفع بدمه ثانية لتحقيق قيم العدل والهوية فيصبح معدودا من النهوش والهطاية كما كانوا يصفونهم في الجامعة متقززين من فقرهم وحفظهم لهوياتهم كما يتبين من العبارات التي دفعت بمفجر الثورة إلى حرق نفسه. ولعل أهم علامات ذلك إنشاؤهم لجامعة خاصة بأبناء الذوات بلغة طبقية مصرية جامعة تحتقر لغة البلاد وترطن بالفرنسية التي لم تكن موجودة عندما نقلت هذه اللغة التي يحتقرونها فلسفة أفلاطون وأرسطو ورياضيات أقليدس. وعندما يأتي أبناء الشعب إلى العاصمة المقصورة على أبناء الذوات تنش عليهم الكلاب لتطاردهم. فلا حاجة لحضورهم وقد انتهى دورهم وحان أون دور السادة: عينوا حثالة من أدعياء الخبرة بالقانون الدستوري من البطانة إياها (حصرا للخبرة فيهم لكأنهم يتصورون تونس اليوم هي تونس البايات ومراسي خدمهم الذين يتصورون أنفسهم من الذوات) لتخطط لمستقبلهم بدلا منهم وهم يطمئنونهم بأنهم سيحاسبون ناهبيهم بدليل تكليفهم من عاشوا في كنفهم ولهم من النهب نصيب.
كفى خداعا. فالشعب بكل فئاته لم يعد نائما على صدغيه. ولعل تعيين الولاة الأخير الذي فضحه شباب تونس في الفيس بوك أكبر الأدلة: نفس المنطق المعين الوحيد هو معين المحافظة على ما كان موجودا للإيهام بالتغيير في حين المحافظة على الموجود كانت تكون أفضل في المرحلة المؤقته لأنها على الأقل تحافظ على شروط الحياة المدنية السليمة في انتظار حصول الانتقال بدلا من الجمع بين التغيير الزائف وعدم الخبرة. وقس عليه التعيين الدواوين وعساكر المستشارين و"الوزاكة" في الجامعات والكليات والمصالح ومن ثم إعادة تكوين نفس النسيج الفاسد حتى تعود حليمة لعادتها القديمة. وأعجب ما في الأمر أن وزير الداخلية –وزير داخلية تونس- يتكلم بالمالطي عن التنظيف: سمعت كلامه فكان أول ما جلب انتباهي هو حاجة لغته إلى التنظيف. لا بد للسيد الوزير من "شطابة" أو "مصلحة" ليكون كلامه بالتونسية على الأقل مفهوما. وما دام يبحث عن المعايير في أوروبا الغربية: فهل رأى سيادته وزيرا في أوروبا يتكلم بالمالطية ؟
ثم هو يفاخر بتنحية 42 مديرا قبل أن يعلم إلى أي مصلحة تنتسب الشرطة السياسية. ما هذا ؟ أي عبث تدار به الدولة ؟ هل يريدون أن يقنعونا بأنه في غياب من كان قادرا على قهر الشعب لن تجد إلا من لا يكون قادرا على إنصافه بالإبقاء على هيبة الدولة وحسن تدبير مصالحها ؟ هل ينسوا مثال علي بن طالب عندما عزل الولاة بارتجال كيف كان بداية النهاية للخلافة ؟ من سيأمر فيطاع إذا عاملنا مصالح الدولة الأساسية التي تتوقف عليها كل المصالح بهذا الاستخفاف والجهل بقوانين التدبير السياسي الفعال ؟ فبدلا من طمأنة الأمن رجاله ونسائه لكون الأمن شرط كل شيء نبدأ فنحملهم مسؤولية الحكومة المتقاعسة لكأن أحداث ما قبل سقوط الدكتاتور لم تكن أحداثا المسؤول الأول عنها هو الوزير الأول بعد رئيس الدولة فنطيح برؤوس دنيا لحماية الرؤوس العليا فندخل على جسم الأمن البلبلة والحيرة والخوف من تحمل المسؤولية لحماية هيبة الدولة الشارطة للأمن والسلم المدنية. هل يكون القصد الخفي من كل هذه الإجراءات هو جعل مهمة الانتقال مستحيلة ومن ثم جعل الناس يقولون: ليتنا أبقينا على ما عندنا بمنطق شد مشومك لا يجيء من هو أشوم.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |