



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
اللحظة الأولى
وضعية الأمة الإستراتيجية الحالية وكيف نعالجها
أبو يعرب المرزوقي
تمهيد:
من العسير جدا أن يتكلم المرء على الوضع العربي بشقيه الرسمي والمقاوم كلاما موضوعيا يتسم بصفات القول العلمي الذي يمكن من النظر الفاعل. فصلته المباشرة بالتزام الإنسان القومي والديني تملأ الطريق بالمحرمات فتسد سبل التخطيط العلمي للفعل التاريخي المؤثر. إنه وضع يغلب عليه الجدل الاتهامي إلى حد التخوين فيحول دون السعي الجدي إلى التمييز بين ضرورة التحليل العلمي الذي قد يؤسس للنقد البناء وواجب الالتزام الخلقي بالموقف المنحاز إليها الذي قد يحول دون النقد من الأصل تجنبا للتهمة اليسيرة بالانحياز إلى الموقف المقابل.
ومع ذلك فسأقدم على التحليل العلمي لظاهرة المقاومة ولا آلو لأن الالتزام الخلقي الوحيد الذي أومن به هو الالتزام بالعمل على علم والذي هو عندي الشرط الضروري والكافي للحفاظ على مصالح الأمة العليا بخلاف المواقف العقدية التي تعمي الشعوب فتجعلها ترمي في عماية وتتصور بشيء من التخدير الذاتي أنها انتصرت وهي تحفر قبرها بيديها كما حصل في الفوضى التي عمت حياة الإنسان المريض في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي جعلت بعض زعماء القرصنة يتصورون أنفسهم هزموا الغرب لأنهم أغاروا على سفينة أو أسروا بعض العلجيات ولم يدركوا أن المعركة لم تكن هناك بل إن ذلك كان من الملهيات. ففي ذلك الحين نفسه كان اليابان يعيد بناء أمته بصورة جعلته اليوم القوة العالمية الثانية: والعلة أنه لا تحكمه الدراويش وأحزاب الله بل العقلاء وأحزاب الإنسان.
لذلك فسأبدأ محاولتي بتحليل التوصيف السائد للإشكالية وذلك لغايتين:
أولاهما فهم المنطق الذي استخرجه التوصيف بكبير صواب مما يجري في الرأي العام العربي الحالي وعلاجه التبسيطي الذي قد يحول دون تطوير شروط النهوض فيحول دون النصر الحقيقي استبدالا له بما يشبه ما حققته حركات التحرير من تبعية شبه أبدية.
والثانية تحديد موضوع بحثي ووجهة النظر التي أدافع عنها والتي تبدو معارضة لما يغلب على الرأي العام العربي الحالي لاعتباري إياه على غير بينة تامة من طبيعة الرهان في الصراعات الجارية في الوطن العربي ودار الإسلام بين أهلهما وعليهما من أعدائهما.
فالصيغة السائدة تضع قضيتين جوهريتين من قضايا التاريخ العربي المصيرية: 1- قضية الحاضر المأزوم 2- وقضية المستقبل المجهول. وهي تحدد ظرفية القضيتين بعاملين: هما عامل إستراتيجية العدو وعامل الفصام العربي بين استسلام الأنظمة ومقاومة الشعوب. وكل ذلك مما لا يجادل فيه أحد: فهو عين التوجه الغالب على الرأي العام العربي وعلى فكر الكبار من إستراتيجييه لعل أكثرهم تمثيلا الأستاذ حسنين هيكل. وهم كبار دون أن نعلم سر استكبارهم: فما سمعت أحدا منهم بين لنا العلل العميقة لتوصيفه الأمور ذلك التوصيف لأن العلم لا يعد علما ما لم يكن مستندا إلى مبادئ صريحة تعتبر مقدمات لما يقدمه من نتائج فيمكن من الفحص النقدي للمقدمات منطلقا أو للاستنتاج منها بسبب ما في النتائج من عدم مطابقة.
فإذا قبلنا بانطلاق العلاج من هذه الظرفية كانت مفردات الوضعية مؤلفة من بؤرة السؤالين أعني من طبيعة فعل المقاومة ومن ظرفياتها في الوضعية الإستراتيجية العالمية. فطبيعة المقاومة الحالية أنها رد فعل محض لخلوها من المشروع الموجب الذي كان يمكن أن يجعلها أكثر من مجرد مقاومة بل طلبا لشروط القيام: فلا يمكن أن تكون المقاومة إيجابية إذا كان قصاراها المحافظة على خريطة سايكس بيكو. وظرفيتها أنها تجري في حالة الفصام المضاعف بين الأنظمة والشعوب وفيهما كليهما خلال رد الفعل على الوضعية العدوانية الدولية.
لذلك فقد بات المطلوب تحديد الفاعل (الغرب) والسر في نجاح مشروعه الذي حصر فاعلية الأمة في رد الفعل ودوره في الظرفية العالمية نظيرا لتحديد المنفعل (نحن) والسر في انعدام المشروع ودوره فيها. وانفصام المنفعل المزدوج يجعل ظرفية فعل المقاومة أمرا شديد التعقيد: فهي ليست مقاومة ضد معتد خارجي فحسب بل هي حرب أهلية بعض أطرافها متحالفة مع العدو سرا أو جهرا بسبب الانفصام العربي بين الأنظمة والشعوب وفي كل منهما.
ويقتضي التوازي تمييز بعدين في المعتدي كما يفعل التوصيف في كلامه على المعتدى عليه. فللغرب كذلك انفصام بين الأنظمة الرسمية والشعوب وفي كل منهما على حدة. وبهذا تصبح المعادلة متوازنة. وهو تمييز يساعد على تيسير التعاطي مع الرأي العام الغربي: إذ يمكن اللعب على تناقضاته هذه لعبه على نظائرها عندنا. وتلك هي علة الحاجة إلى إسترايتيجة توسع الهوة بين الأنظمة ورأيها العام في الغرب علما وأن ذلك كان ولا يزال شرط نجاح المقاومة الشعبية ضد المستعمر في كل مراحل حروب التحرير المعلومة تاريخيا.
وبذلك فنحن نخلص إلى قضيتين هما مقوما كل فكر إستراتيجي مدرك لمقدماته ومحدد لشروط فاعلية مفرداتها عند كلا طرفي الصراع:
أولا: قضية التوازي بين مقومات المعادلة التي تتحكم في الوضعية الإستراتيجية بكلا طرفيها وليس عند أحدهما دون الآخر.
ثانيا: وقضية ترتيب محاور الإشكالية بحسب الغاية المطلوبة للانتقال من المقاومة إلى القيام عندنا وعند العدو أيضا.
وإذا حافظنا على منطق التوصيف السائد للوضعية الاستراتيجية فإن المحاور تصبح خمسة لما نلحظه من ازدواج في طرفي المعادلة كليهما:
1-محور النظام الرسمي العربي
2-ومحور المقاومة والممانعة الشعبيتين العربيتين
3-ومحور النظام الرسمي الغربي
4-ومحور المقاومة والممانعة الشعبيتين الغربيتين.
5-ويتقدم عليها أربعتها أصل كل هذه المحاور أعني اللقاء بين الحضارتين اللتين تولد عنهما العالم الحديث أي الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية الحضارتين اللتين لم يتوقف الصراع بينهما منذ القرون الوسطى بل ظل سجالا بينهما إلى الآن.
ويتقدم على هذه المحاور تمهيد يحدد مجال الإشكال وظرفيته. ومجال الإشكال يتعلق بمنطلق القضية وغايتها. أما ظرفيته فتتعلق بدور الصراع الدولي والرؤى الناتجة عنه. ولما كانت المحاور قابلة للجمع إثنين اثنين في طرفي النزاع أي في كلتا الحضارتين أعني النظام الرسمي والمقاومة الشعبية العربية والنظام الرسمي والمقاومة الشعبية الغربية باتت المسائل ثلاث مسائل مضاعفة على النحو التالي:
التمهيد: وفيه أمران كلاهما مضاعف
الأول هو مجال الإشكال أو مقام القول منطلقا وغاية:
فـالمنطلق في تحديد مجال الإشكال هو ما أبرزته الأحداث الأخيرة من مدى التلاحم الشعبى وقوته كما أبرزت تطابق وجهات النظر الشعبية العربية والإسلامية والتفافها حول المقاومة. كما أبرزت هذه الأحداث آليات الحفاظ على ثقافة المقاومة لدى الشعوب العربية والإسلامية وشروط الحفاظ عليها.
والغاية من تحديده فتتعلق بالكيفية التي يمكن أن نستثمر بها هذا الدور الشعبى العربى وننميه بصورة تجعله قادرا على الصمود حتى تصبح مؤسسات المجتمع المدنى بفضل ذلك مؤهلة للتعامل مع ثوابت الأنظمة العربية ومصالحها وأسباب ركودها؟
وكيف نستأنس بالخصائص المشتركة بين المقاومات اللبنانية والفلسطينية والعراقية لنضمن لها شروط الاستمرار من خلال حضها على التعاون وبتقوية آليات الدعم والمساندة الشعبيين في الوطن العربي ودار الإسلام؟
والثاني هو ظرف الإشكال دورا للصراع الدولي ورؤى:
فـبعده الأول وهو دور الصراع الدولي: لا يمكن النظر إلى الأحداث الجارية الآن على الساحة العربية في لبنان وفلسطين والعراق دون أن نأخذ في الاعتبار دور الصراع الدولي والإقليمي الساعية أصحابه إلى تحديد شكل المنطقة وهويتها ومستقبلها وخريطتها السياسية.
وبعده الثاني هو رؤى أطراف الصراع فيمكن النظر إلى هذا الدور من ثلاث زويا ذات رؤى مختلفة: أولاهما غربية تسمى أحيانا بالشرق الأوسط الكبير أو بالأورومتوسطية أو بالشرق الأوسط الجديد والثانية عربية رسمية تمثلها الأنظمة ونخبها والثالثة تعبر عن آمال الشعور العربية وأحلامها. والمطلوب هو تحديد أبرز عناصر هذه الرؤى ورموزها وملامحها ومدى قابليتها للتنفيذ على أرض الواقع.
المسألة الأولى تعالج محددات الحركة الغربية الرسمية وثوابتها وخطوطها والموقف الشعبي الغربي لنحدد استراتيجية الفصل الرأي العام الغربي والأنظمة خدمة لاستراتيجية الأمة.
المسألة الثانية تعالج محددات الحركة العربية الرسمية وثوابتها وخطوطها (تجاه العالم الخارجى وتجاه الأزمات الداخلية وتجاه الأزمات الإقليمية) ومحددات الحركة العربية الشعبية وثوابتها وخطوطها لنحدد بؤرة المحددات والمقابلة بين المقاومة الشعبية المسلحة والعنيفة وذات الفكر الديني بعد توقف المد القومي والاشتراكي والمقاومة النخبوية الحقوقية والمدنية وذات الفكر العلماني. والمطلوب هو البحث في شروط الصلح بين الحركتين من خلال التوفيق بين المطلبين تحريرا للأولى من معاداة قيم العقل وللثانية من معاداة قيم الدين.
المسألة الثالثة تعالج طبيعة اللقاء بين الحضارتين وكيفية جمع هذا اللقاء للعوامل التي تجعل الحرب الأهلية العربية الإسلامية حربا أهلية عالمية لا ينخرط فيها أهل الحضارتين بل كل البشرية بالصورة التي نبين في هذه المحاولة.
وبذلك تكون الخطة كما يلي:
المسألة الأولى التي هي مدار الإشكال التاريخي في لحظتنا العربية الراهنة وتتعلق بأزمة الأنظمة والمقاومة العربيين: أزمة الأنظمة وأزمة فعل المقاومة (التشضي والحرب الأهلية والفساد وعدم الجدل بين الأنظمة والمقاومات) النماذج الستة ثلاثة إسلامية وثلاثة عربية: افغانستان والشيشان والفيليبين والعراق ولبنان وفلسطين) . بين المقاومة والقيام (تفسير آية الاستعداد).
المسألة الثانية التي هي مدار الإشكال التاريخي في لحظة الغرب الراهنة وتتعلق بأزمة الأنظمة والشعب في الغرب: موقف الغرب الرسمي والشعبي.
المسألة الثالثة والأخيرة التي هي مدار اللقاء بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية وتتعلق بإستراتيجية العدو وإستراتيجيتنا: الوضعية الإستراتيجية الدولية وبيان ما يهمله التحليل الذي يحصر القضية في العلاقة الثنائية بين العرب وتحديد آفاق المستقبل بعد توضيح مقومات المعادلة الدولية.
اللحظة الثانية
المسألة الأولى: أزمة المقاومات
بين المقاومة والقيام.شرح آية الاستعداد والردع.
أمهد للمسألة الأولى بالتمييز بين موقف المحلل للوضعية وموقف الملتزم بخيار أحد أطرافها والتسليم بعدم امتناع الجمع بين الموقفين بعد التمييز. فالموقف الأول معرفي وهو الذي يساعد على القدر الممكن من الرؤية الموضوعية التي تمد المرء بشروط النجاعة العملية التي تجعل الفعل مؤثرا. والموقف الثاني قيمي وهو الذي يحدد الدور الساعي إلى تغليب وجهة نظر على أخرى. والجمع بعد التمييز هو الذي يجعل عمل المرء يكون عملا على علم.
الفرع الأول: المقاومة:
الكلام على المقاومة بالإفراد لا يطابق حقيقة فعل المقاومة في لحظتنا التاريخية الراهنة. فالمقاومة متعددة وهي ذات وجهين إسلامية عربية وإسلامية غير عربية كلتاهما مخمسة العناصر. فالمقاومة الإسلامية العربية قلبها فلسطين وجناحاها في آسيا العراق ولبنان وجناحاها في إفريقيا السودان والصومال. والمقاومة الإسلامية غير العربية قلبها كشمير وجناحاها الشرقيان جنوب الفيليبين وجنوب تايلاندة وجناحاها الغربيان أفغانستان والشيشان. ويوحد بين المقاومات العشر الإسلام توحيدا يجعل أعداء المقاومة في جميع هذه الأصقاع بعدة المعتدين على دار الإسلام: أعني أمريكا والهند وروسيا مباشرة ثم من سيخلف أمريكا في جنوب شرقي آسيا أو الصين وحليفها في افريقيا أو أوروبا. وتلك هي العلة في اجتماع أقطاب العالم الحاليين ما كان منها بالفعل وما لا يزال بالقوة على الإسلام الذي صار يمثل بمقاومته روح التحرر في الإنسانية المعاصرة.
كما أن الكلام على المقاومة من دون تحديد المرحلة التي تمر بها لا يمكن من تحديد مميزها الأساسي الذي يستمد منه مقومات التعامل معها. فالمقاومة لما يشتد عودها ويسلم العدو بحظوظ الانتصار الذي باتت تلوح في الأفق تنقلب إلى حرب أهلية بذاتها وبتشجيع من العدو الذي يختار أحد طرفيها ليتحالف معه تسليما منه بأنه أقل الضررين. لذلك فجميع حروب التحرير آلت إلى حروب أهلية بعضها طال وبعضها حسم لكنها جميعا كان أحد طرفيها متحالفا مع العدو.
الحرب الأهلية هي المميز الحقيقي للمقاومات العربية والإسلامية: كيف ذلك؟ لأن الحرب الأهلية هي رد العدو الأكثر نجاعة للتغلب على المقاومة: فهو يحولها إلى حرب أهلية ويغلب الحزب الذي يضمن مصالحه بأقل كلفة.
المقابلة بين النصر والهزيمة مقابلة نسبية:
ليس من الضروري في الحروب أن تكون العلاقة بين المتحاربين مقصورة عليهما. فقد يصبحان خارج اللعبة وينسب النصر إلى غيرهما. لأن الحروب تجري في ساحة دولية لها عدة أطراف. والمتربصون قد يكونون أول المنتصرين ويكون المتحاربان كلاهما منهزما. في لبنان كلا المتحاربين انهمزم. والمنتصر غيرهما.
ولن يخلصنا من الرين الذي قد يشوب الفهوم الغائمة لأحداث تاريخنا الحديث إلا التحرر من التبسيط المخل بعوامل المعادلة المحددة لمجرياته بأبعادها الملتفتة إلى الماضي بوجهيه حدثا ومعنى وأبعادها الملتفته إلى المستقبل بوجهيه معنى وحدثا من منطلق حيز الحدث العيني (لبنان) ومن منطلق توجه الحدث الوجودي (الإسلام) ومن منطلق لحظة الحدث المحددة بتقاطع الزمان والمكان (العولمة). فهذا الإخلال يحول دوننا والنفاذ إلى مستويات الحدث الجلل الذي عشناه في لبنان سنام جبل المقاومة التي لم تستحل بعد قياما رمزيا وماديا يحقق للأمة قيومية الوجود كما حددها القرآن الكريم. فمن يحصر الحدث في أعراضه السياسية يقصر التحليل على التردد بين مناظير ثلاثة هي دوائر متفاوتة الأشعة ومتحدة المركز.
وأدنى هذه الدوائر هي الدائرة الداخلية التي تتحدد بطرفي النزاع المباشرين كما في مثال: حزب الله وإسرائيل أو حركة حماس وإسرائيل. عندئذ ينحصر الطلب في الجواب عن سؤال تبسيطي بقراءة مجزوءة هو سؤال من المنتصر ومن المنهزم فضلا عن تحديد مسؤولية الحرب.
والدائرة الوسطى تتحدد بطرفين غير مباشرين من القوة الأولى: المحور الأمريكي والمحور الإيراني. وعندئذ ينحصر الطلب في الجواب عن سؤال تبسيطي ثان بقراءة مجزوءة تدعم القراءة السابقة هو سؤال الباحثين عن تمييز العدو من الصديق في تحديد مصير المنطقة على أرضية الزعم بأن حزب الله وإسرائيل وحماس وإسرائيل مجرد أداتين لهذين الفاعلين الأساسيين.
والدائرة الخارجية تتحدد بطرفين غير مباشرين من القوة الثانية: المحور الغربي والمحور الإسلامي. وعندئذ ينحصر الطلب في الجواب عن سؤال تبسيطي ثالث بقراءة مجزوءة تحاول تجاوز القراءتين السابقتين علها تتحرر من التناقضات الداخلية بالهروب إلى تفسير اللحظة التاريخية بنظرية صدام الحضارات ونكران التناقضات الذاتية لكلتا الحضارتين وللمعمورة عامة لكأن كل أدواء الأمة ناتجة عن مؤامرة لم تتوقف منذ الحروب الصليبية إلى الحروب الاستعمارية إلى حرب الحضارات أو لكأن الإنسانية كلها ليست بذات أدواء ذاتية تحدد تاريخها بصورة كونية فلا يكون داؤها إلا داءنا.
لكن ماذا لو كان الجواب عن السؤال الأول مستحيلا لأن المنتصر والمنهزم يمكن أن يكون من غير الطرفين المباشرين. فلعله من الطرفين غير المباشرين في السؤال الثاني. فقد يكون الطرفان المباشران منتصرين معا والمنهزم غيرهما (فيكون حزب الله وإسرائيل قد حققا غايتهما وتحررا من مستعمليهما) أو منهزمين معا والمنتصر غيرهما (فيكون حزب الله وإسرائيل قد خسرا رهانهما وموظفاهما هما المنتصران بسبر قوتهما). كما أن الجواب عن السؤال الثاني يمكن أن يكون مستحيلا إذ قد يتبين أن هذين الطرفين نفسيهما مأخوذان في لعبة أوسع تجرفهما جرفا في ما يسمى بصراع الحضارات الذي يرتفع بالتحليل إلى طرفين غير مباشرين يظنهما البعض الدرجة الأقصى من الصراع (الغرب والإسلام).
ووراء هذه الدوائر يوجد مدخل القراءة التي نقترحها للتخلص من حصر الفكر في العلاج السياسي الذي غالبا ما ينحط إلى العلاج السياسوي. القراءة المقترحة تستند إلى فلسفة التاريخ. وبفضلها يظهر قصور التأويلات التي انبنت على الدوائر الثلاث ذات المركز الواحد: المباشرة وغير المباشرتين الأولى والثانية. ذلك أن ما يجري في دار الإسلام كوني بالطبع ومن منطلقة ينبغي أن نفهم المنطق الذي نراه يحدد مصير البشرية الكوني أعني من منطلق ما يحدث في الصراع بين الحضارتين اللتين حددتا التاريخ الوسيط والحديث وعلل تعيين أطرافه بالصورة التي تعينت بها: أي علينا أن نفهم لم لبنان وإسرائيل؟ أو حماس وإسرائيل ولم إيران وأمريكا؟ ولم الإسلام والغرب؟ هل اختارهم القضاء والقدر لهذه المهمة ليكونوا في لحظة التاريخ الراهنة ممثلي فاعليه الأساسيين ؟ القراءة التي نقترحها تحاول أن تجيب أن عن هذه "اللميات" الثلاث لندرك ما للحدث من معان لعل أهمها وجهان يهملهما عادة أصحاب القراءات السياسية التي تكتفي بأعراض الأحداث ومظاهرها وتغفل دلالاتها العميقة:
1- وجه أهمية الحدث في فلسفة التاريخ.
2- ووجه أهميته في فلسفة الدين.
فهاتان الفلسفتان تتجاوزان علاقة الحدث بهموم فاعليه ومعاصريه لتصل إلى هموم الإنسانية بإطلاق خاصة ونحن في عصر العولمة التي ليس في أحداثها ما يمكن أن يفهم بمعزل عن الأحداث الأخرى مهما خف وزنها. فليست الفهوم التي تحددها الدوائر الثلاثة إلا أعراض أمر أعمق يمكن استنتاجه من ثلاثة عوامل رئيسية:
1- منزلة الإسلام في فلسفة التاريخ وفلسفة الدين خلال التاريخ الإنساني كله ما تقدم عليه وما تأخر لكونه لحظة مفصلية في علاقة فلسفة التاريخ بفلسفة الدين.
2- ورمزية فلسطين ولبنان في هاتين الفلسفتين الكونيتين من حيث هما ممثلتان للقاء بين الإسلام وما تقدم عليه وما تأخر لكونه يشبه الحد الفاصل والواصل بين منطقين هما منطق التاريخ الطبيعي (سلطان القوة والعنف بين البشر) والتاريخ الخلقي (سلطان التعارف بين البشر).
3- وطبيعة اللحظة التاريخية التي هي لحظة سعي ظاهرة العولمة إلى تحديد جغرافيتها السياسية من خلال النكوص بالتاريخ الحضاري إلى قانون التاريخ الطبيعي أو صراع الكل ضد الكل فلا يستطيع العيش إلا من حقق شروط المناعة الناقلة من مجرد المقاومة إلى القيام بمعنييه المادي والرمزي. لذلك فهي لحظة تكاد تصبح لحظة تحديد مصير الإنسانية من خلال حسم مصير الإسلام أو إن شئنا فهم أهمية الثورة القرآنية التي ضل عنها أصحابها قبل غيرهم من البشر فظلت مهجورة.
منزلة الإسلام الكونية
فمنزلة الإسلام في تاريخ الإنسان وتاريخ الدين لا يمكن حصرها في منزلة المسلمين الحاليين إذا كان الإسلام كما نعتقد حقا دينا كونيا موجها إلى العالمين. لا يمكن أن يتحدد مصيره بالصراع بين حضارتين مهما كانت أهميتهما بحيث يقتصر دوره على هموم ثلث البشرية. فالمحللون يتناسون حقيقة ساطعة هي أن الغرب والإسلام مجموعين لا يمثلان إلا ثلث البشرية. أفيكون العالم خاليا من غير هؤلاء أم إن ثلثي البشرية هباء وليس لهم دور في تحديد دور الدين الخاتم ؟ لماذا يهملون العامل الجوهري الذي يمكن أن يفهمنا ما جرى لأنه يعلل كل المستويات السابقة من التحليل أعني أن مصير الإسلام شهادة على العالمين لا يمكن أن يتحدد في صراع يستثنى منه ثلثا البشرية فيكون مصيره مقصورا على علاقته بالغرب ؟ لذلك كانت بؤر الصدام التي يعد المسلمون أحد أطرافها كونية وغير مقصورة على العلاقة بالغرب حتى وإن كان السائد على ركح التاريخ الساخن هو كذلك. فالبؤر عشر وفيها تنبض المقاومات العشر التي تبين أن مصير الإسلام لا يمكن أن يقتصر تحديده على العلاقة بين الإسلام والغرب:
1- الخمس الأولى مقاومات عربية إسلامية قلبها فلسطين وجناحاها الشرقيان لبنان والعراق وجناحاها الغربيان الصومال والسودان. وللقلب معنى مضاعف فهو رمزيا فلسطين لكنه ماديا العراق. والأول صدام مباشر مع إسرائيل وصدام غير مباشرة مع أمريكا. والثاني العكس.
2- والخمس الثانية إسلامية غير عربية قلبها كشمير وجناحاها الشرقيان فطاني وجنوب الفليبين وجناحاها الغربيان افغانستان والشيشان. وللقلب هنا كذلك معنى مضاعف. فهو رمزيا كشمير لكنه ماديا أفغانستان. والأول صدام مباشر مع الهند وصدام غير مباشر مع أمريكا والثاني العكس.
وبذلك يتبين دور أمريكا في الحالتين وضرورة الحلف الخفي بين الهند وإسرائيل رغم تغافل الإستراتيجيين الذين ما يزالون يحيون على ذكريات الحرب الباردة ومعانقات زعماء عدم الانحياز. لكن فهم هذه الحقائق يبين لنا كونية الصراع من حول الإسلام بعد تكون السوار المربع المتربص بالمسلمين كماشة خانقة: أوروبا المتحدة وروسيا غربا والهند والصين شرقا. فلا يمكن أن تحسم معركة فطاني والفيليبين من دون ربطها بعلاقة جنوب شرقي آسيا بعلاقة الصين والهند بأمريكا. ولا يمكن أن تحسم معركة الشيشان وأفغانستان من دون ربطها بعلاقة قلب آسيا بعلاقة الهند وروسيا بأمريكا. ولا يمكن أن تحسم معركة الصومال والسودان من دون ربطها بعلاقة قلب إفريقيا بعلاقة أوروبا والصين بأمريكا.
وبذلك تكتمل الدائرة فيتبين أن أمريكا هي العامل الثابت في الحرب على المسلمين لكونها القوة الأعظم المنفردة وأن كل القوى المرشحة لأن تصبح قوى عظمى لها بها صلة في الحرب على دار الإسلام المقاوم في البؤر العشر التي وصفنا. وبذلك يدخل ثلثا البشرية الآخرين لأن ما بقي بعد ما ذكرنا هو من توابع هذه القوى الخمس: أمريكا والصين والهند وروسيا وأوروبا المتحدة وذلك ما كان علينا بيانه C.Q.F.D.. أما إسرائيل فهي الفيروس المتطفل الذي يمتص دماء كل هؤلاء بما له من خبرة تجعله يستخدم الكبار بإيهامهم أنه يخدمهم.
منزلة فلسطين ولبنان المحورية
منزلة فلسطين ولبنان من منظور فلسفة التاريخ وفلسفة الدين لا يمكن أن تكون ما نعلمها عليه ثم نجعل حدوث ما حدث فيها مجرد نتيجة لقصود عرضية لهذه الحركة والحزب أو تلك الحركة وذاك الحزب مباشرة أو بتوظيف قوة إقليمية أو دولية في حين أن الأحداث كانت جزءا لا يتجزأ من أمر مصيري يحتمه تاريخ البشرية وتاريخ الأديان إذا ربطا بمعادلة البؤر العشر التي وصفنا في المقاومات العربية والإسلامية التي تخرجنا من حصر المعركة في ثلث البشرية.
فمن ينسى أن فلسطين ولبنان يمثلان في الجغرافيا السياسية ملتقى الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية منذ النشأة الأولى للإمبراطورية إسلامية (من عهد أمير المؤمنين الفاروق إلى نشأة الدولة الأموية) يمتنع عليه أن يفهم أبعاد ما حدث في الحرب الأخيرة فلا يقدر أهمية صمود اللحمة بين مكوني الأمة في فلسطين ولبنان الممثلين لهذين البعدين (بين الملتين الإسلامية والمسيحية وبين المذهبين السني والشيعي). دلالة الحدث في فلسطين ولبنان لا تفهم إلا من منطلق كونهما رمز التلاقي بين الحضارتين وعينة من العولمة الحالية على الأقل بجالياتهما إذا لم يكن بسياحتهما ومركزيتهما في حركة رأس المال المادي والرمزي العربيين. بذلك وبذلك فقط نتمكن من التحليل العلمي الموضوعي لحدث الحروب الأخيرة الحدث الذي يمكن اعتبار دلالته من جنس ما يحدث بين صفائح الكرة الأرضية في لحظات الزلازل.
لذلك ففي أحداث فلسطين ولبنان يمكن أن تجتمع خاصيات البؤر العشر التي حددنا وخاصة خصائص القلبين المضاعفين: فالحرب في لبنان تجعله يجمع رمزية فلسطين والعراق والشيشان وإفغانستان وفعليتها فصار عند المسلمين قلب القلوب بتجاوز أدواء الأمة الخمسة التالية. في لبنان انكشفت مقومات الأدواء الخمسة التي تعاني منها الأمة والتي تجعل حرب المسلمين الأهلية بحسب هذه الأبعاد غاية حرب المعمورة الأهلية ومن ثم فجر نهايتها كما يحددها القرآن الكريم لتحقيق شروط الأخوة البشرية كما نصت عليها آية التعارف:
1- الداءان الموروثان من الماضي الذاتي: صراع الملل (بين المسيحية والإسلام واليهودية) وصراع النحل (نحل هذه الأديان الثلاثة وخاصة نحل المسلمين: السنة بأطيافها والشيعة بأطيافها).
2- الداءان الموروثان عن الماضي الأجنبي: صراع القوميات (العربية والفارسية والتركية والكردية والبربرية إلخ...) وصراع الطبقات (الأغنياء والفقراء ليس في لبنان فحسب بل في كل الوطن العربي بحكم كون لبنان ملتقى صراعاتهم)
3- والداء الجامع لهذه الأدواء هو أزمة الوجود الإنساني التي تعين سنامها الأرفع في الوطن العربي ورأس الدمل منه ليس هو إلا لبنان: إنه ما يفاد بتركيز الطاغوتين الروحي والمادي على الوطن العربي الذي هو قلب العالم الإسلامي الطاغوتين الممثلين بما بات يعتبر رمز الروحانية الغربية المريضة (إسرائيل) ورمز المادية الغربية المتوحشة (أمريكا).
شرط الانتقال من المقاومة إلى القيام
معاني القيام القرآنية الخمسة: الآيات الست الأخيرة من الذاريات للدلالة على القيام الإلهي والقيام الإنساني: العبودية لله وحده.
المعنى الأول قيام القدرة التي هي قيمة مادية: النساء 5:" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما".
المعنى الثاني قيام الإرادة التي هي قيمة رمزية: المائدة 97:" جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس.
أثر الأولى في الثانية: أداة العبادات كلها وخاصة الجهاد. فالصلاة تقتضي الطهارة وهي بكلفة والصيام يقتضي القدرة البدنية وهي بكلفة والزكاة والحج في غنى عن الإثبات. وتبق الشهادة: منزلة المال من هو أداة لاغير. أما الجهاد فلا يمكن أن يتصوره المرء من غير مال.
أثر الثانية في الأولى: غاية الجهاد بمعانيه الخمسة أعني القتال والعبادة وشرط القتال وشرط العبادة ووحدة الكل أو حرية الإرادة.
المعنى الجامع: الذاريات44- 45:"فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون* فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين".
الخلل البنيوي في الصراعين المادي والرمزي:
في الصراع المادي: لن يتحقق الانتقال إلى من المقاومة إلى القيام إلا إذا أصبح إنتاجنا لأدوات الحرب المادية أو قيم القدرة ذاتيا لنستغني عن اللجوء إلى مساعدة العدو المادية.
في الصراع الرمزي: لن يتحقق الانتقال من المقاومة إلى القيام إلا إذا أصبح إنتاجنا لأدوات الحرب الرمزية أو قيم الإرادة إنتاجا ذاتيا لنستغني عن اللجوء إلى قيم الخصم.
اللحظة الثالثة
الفرع الثاني: أزمة الأنظمة وشروط التغلب عليها
أما الأنظمة التي تعنينا لصلتها بهذه المقاومات فإنها قابلة للتصنيف في المستويين العربي والإسلامي تصنيفا يفهمنا علل مواقفها الحالية. لكن ما تفتقده من شرعية ليس رهن الحاضر فسحب (عدم التلاؤم مع وظائف الدولة أو عدم التناغم مع المقاومة) بل هو رهن عدم التطابق بين الدولة الفعلية التي هي قطرية والدولة الرمزية التي هي أممية في الثقافة العربية الإسلامية. وقد حاولت كل الأقطار أن تحقق التطابق بالعودة إلى ما قبل الإسلام وما بعده فلم تنجح: ما زالت الشعوب تحيى في أفق الأمة في حين أن النخب الحاكمة تحيى في أفق الدولة القطرية. والشعب لا يؤيد المقاومة كمقاومة بل هو يؤيدها كمقاومة إسلامية. أما المقاومة العلمانية فتأييدها لم يكن من الشعب بل كان من الأنظمة العلمانية ثم هي أصبحت من الاستعمار نفسه بعد أن ضعفت الأنظمة القومية.
فالأنظمة العربية التي لها صلة بهذه المقاومات كلها أنظمة قطرية الوجود وشعبها أممي الهوية ومن ثم فهي جميعا فاقدة للشرعية التي لا تنتج إلا التطابق بين الماهية والوجود. وهي كلها ثمرة ظاهرتين:
أولاهما أجنبية هي الخريطة التي تركها الاستعمار الغربي القديم ولا تزال مطمعا للاستعمار الغربي الجديد المصحوب بأمر يجعل الغرب يخشى من اندراجها في الحضارة الغربية الحديثة (الخوف على وجود إسرائيل)
والثانية ذاتية هي الحرب الأهلية العربية بين الأنظمة ذات الإيديولوجية القومية والمتحالفة مع الاتحاد السوفياتي والأنظمة ذات الإيديولوجية الإسلامية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية الحرب التي بدأت في اليمن وانتهت في الكويت انتهاء أبرز الطابع الكوني للحرب الأهلية العربية التي باتت قلب الحرب العالمية الرابعة.
وقد أنتج هذان الحلفان معارضتين وظيفيتين تحولتا إلى سلوك إرهابي رمزي ومادي بعد سقوط النظام الثنائي. فالأنظمة التي حالفت للاتحاد السوفياتي شجعت المعارضة العلمانية في بلاد الأنظمة التي حالفت الولايات المتحدة الأمريكية. والأنظمة التي حالفت الولايات المتحدة الأمريكية شجعت المعارضة الدينية في بلاد الأنظمة التي حالفت الاتحاد السوفياتي. وبعد سقوط النظام الثنائي صارت العلمانيات العربية ليبرالية من النوع الميال للإرهاب المادي الرسمي والرمزي بالتحالف مع الولايات المتحدة لتهديم الهوية باسم التحرر الليبرالي والديموقراطية وصارت الأصلانيات العربية فاشية من النوع الميال للإرهاب المادي الشعبي والرمزي بالتحالف الموضوعي مع العماليق الأربعة المقبلة التي تناوش أمريكا من اجل منعها من الاستحواذ على ثروات العالم الإسلامي.
والأنظمة الإسلامية التي لها صلة بهذه المقاومات تتحدد بأمرين مهمين. فالنسبة إليها جميعا الإسلام ليس دينا فحسب بل هو عين الهوية القومية والحضارية وهي ليست ممنوعة من الاندراج في الحضارة الغربية الحديثة لعدم وجود عائق إسرائيل في علاقتها بالغرب.
لكن الإجماع يكاد بين مغازلي الرأي العام الشعبي يحصر أسباب تعثر الأمة في عامل وحيد هو عدم نجاعة النخبة السياسية العربية الحاكمة, فهم يؤكدون تفاهة فعلها في الداخل والخارج مستدلين بعدم التأثير في الأحداث الجارية, ما جعل شعوبنا تصبح موضوعاً منفعلاً وفاقدة لكل ذاتية مؤثرة. هذا الفهم أصبح سائداً منذ أن بات الحل والعقد في توعية الرأي العام أمراً مهملاً يباشره كل من هبّ ودبّ فيتصدر النقد السياسي والخبرة الاستراتيجية ويغسل يديه من المسؤولية الخلقية عن العجز الذي يمثل السمة الغالبة على كل الوجوه الأخرى من حياتنا. وما يهمنا هنا هو نخب الفكر التي أضحت تكتفي بالإحالة على عجز ساحتنا السياسية, العجز الذي من أهم علاماته عربدة شارون فضلاً عن عجرفة بوش .
كان في وسع المرء أن يسكت أمام التشخيص السهل لخطباء الفضائيات العربية من المثقفين ومعلقينا الاستراتيجيين من الصحافيين لو لم يكن السكوت سبيلاً إلى الإسهام السلبي في الإعداد للحلول الخطرة التي تنقلب في غالبية الحالات إلى مأزق أعسر من المأزق الحالي. قد تدخل المنطقة العربية في فوضى من الانقلابات شبيهة بفوضى نصف القرن السابق فتتمكن أميركا وإسرائيل من وأد النهضة والصحوة إلى الأبد. فاتهام النخب السياسية وحصر الداء فيها, غالباً ما يجعلان الحل مستنداً إلى ضرورة التغيير السياسي العنيف باسم أي إيديولوجية يجد فيها الديماغوجيون - الذين هم في الغالب عملاء متنكرون بشعارات تغازل العواطف الشعبية - محفزات لتأليب الجماهير وتوجيهها نحو الحلول الوهمية.
لذلك فنحن نريد أن نسأل عن الأسباب العميقة للعجز التي تتحمل مسؤوليتها النخب الفكرية الناقدة المعارضة للنخب السياسية الحاكمة, ما يجعل حصر المشكل في إخلاص الساسة أو عدم إخلاصهم اقتصاراً على رؤية الوجه السطحي من العجز. لا بد من أن نسأل السؤال الأساسي: ما الذي يجعل كل النخب السياسية ذات المواقف المسؤولة حقاً والتي يصعب أن يشكك المرء في إخلاصها (ولا ينكر وجودها إلا معاند على رغم أننا لا ننكر ندرتها) تتشبث بشعرة معاوية (بمعنى يفهمه جميع العرب, أعني رمزاً للمناورة السياسية) مع أميركا وتكبت شعرة سيدنا علي (بمعنى مغربي صرف, أعني رمزاً للغضب للحق والاستماتة في الدفاع عنه أياً كانت الكلفة) ؟
إذا لم نجب عن هذا السؤال بالصراحة العقلية والجرأة الخلقية الواجبتين نكون قد تخلينا عن مسؤوليتنا الروحية التي نستمدها من دور العقل ذي العزم في معركة القيم والمعاني غايات للفعل الإنساني, وفي معركة الحقائق والأفعال أدوات له. فليس للفكر من سلطة معنوية تؤثر في الرمز إذا لم يكن ذا سلطة فعلية تؤثر في الواقع. انه لا يستمد تأثيره الرمزي إلا من تأثيره الفعلي. كذلك كان شأنه دائماً حتى في عصور الفكر الأسطوري. ليس للفكر من أثر رمزي على إرادات البشر وسلوكهم إلا في حدود ما له من أثر مادي على عطالات الأشياء وسلوكها على الأقل, بحسب ما يعتقد المتأثرون بالمفعول الرمزي. ومن هذا الجنس يكون تأثير السحرة لمن يعتقد في تأثير السحر.
ولعل من أعجب الأمور أن المثقف العربي يعجب من عدم تأثيره الرمزي من دون أن يسأل عن العلة التي هي عينها علة العجز الذي يُحمّـل السياسي مسؤوليته. يعي الجميع أن السياسي, مهما نسبنا إليه من سلطة, لا يتجاوز دوره الحقيقي تصريف الموجود من الأمور وانه ليس صاحب عصا موسى: لا يستطيع أن يصرف العدم. والأمور التي يصرفها السياسي ليتصرف بصورة مؤثرة تعود كلها إلى الأثر الفعلي الذي يمكن أن يعود إلى أثر العقل في عطالات الأشياء جسراً إلى التأثير في إرادات البشر. وهذه الأمور قابلة للحصر, فهي ضربان:
1- ثمرات العلوم النظرية التي تمكن من السلطان على الطبائع والأشياء بالفنون الآلية وبالأنظمة النسقية في علاج الأمور بحسب عللها التي يدركها العلم الطبيعي
2- وثمرات العلوم العملية التي تمكن من السلطان على الشرائع والناس بالفنون الرمزية والأنظمة الخلقية في علاج الأمور بحسب عللها التي يدركها العلم الإنساني.
وتعود مسؤولية العجز السياسي فيها إلى مسؤولية العجز الفكري ضعفين:
1 - عدم نجاعة النظام التربوي الذي يكوّن الرجال القادرين على المعرفة المبدعة (علوم الطبيعة وتتبعها قوة الأمة المادية ببعديها العسكري والاقتصادي) والقدرات الرمزية للفعل المؤثر في الناس (علوم الإنسان وتتبعها قوة الأمة الروحية ببعديها الرمزي والفعلي
2- عدم الوعي بأن ذلك هو سر القوة الوحيد وان حصر المسألة في إخلاص الساسة أو عدم إخلاصهم, على رغم أهميته, ليس إلا من الملهيات عن العلل العميقة للعجز العربي.
فالمهرب السهل المتمثل في حصر المسألة في النخب السياسية يؤول إلى تحويل المعركة إلى معركة هدفها الأساسي هو الصراع على الحكم بكل الوسائل. وقد عانينا هذا الداء العضال منذ الفتنة الكبرى, فقد باتت الوسائل أهم من الغايات ففقدت الغايات الحقيقية والوسائل الفعلية واستبدلت بالشبائه التي تبعد الأمة عن رسالتها وما تستلزمه من أدوات الفعل المادية والرمزية, أعني علوم الطبيعة أو علوم العالم وعلوم الشريعة أو علوم الإنسان.
وذلك كله يوطد أسباب العجز التي ترجع كلها من دون استثناء إلى عدم التخلص من العقل العاجز واستبداله بالعقل القادر. ومن ثم فهروب المفكرين إلى الحل السياسي السهل فقداناً للوعي بأصل الداء هو الجريمة النكراء التي أنسبها إلى الفكر العربي, وبالذات إلى المنظومة التربوية العربية. عربدة شارون وعنجهية بوش علتهما فشل المنظومة التربوية العربية بخاصة والإسلامية بعامة وليس إرادة الساسة أو عدم إرادتهم الرد عليهما, اللهم إلا إذا أردنا منهم السلوك المتهور الذي يؤدي إلى عكس المطلوب كما حصل في الكثير من المعارك السابقة.
ليست الجيوش الإسرائيلية هي التي هزمت الجيوش العربية بل المنظومة التربوية الإسرائيلية بخاصة والغربية بعامة هي التي هزمتنا, لكون منظومتنا التربوية فشلت في تحقيق تربية فاعلة تخرج إنسان قادر على إبداع ضربي الوسائل المشار إليهما وعوضهما إنتاج ما يحلو للعاطلين والمثرثرين في الفضائيات من سخافات يهرعون إليها ليوطدوا التخلف باسم تيارات لا تغير شيئاً من واقع العجز, لكونها تحصر المعركة في تبادل التهم والجدل العقيم الذي لا يختلف كثيراً عن الهذيان.
لذلك فإن المرء عليه إلا يعجب إذا بلغ اليأس ببعض الشباب إلى سلوك يكاد يؤول بالأمة إلى ما آل إليه أمر الخلافة العثمانية خلال توحيد العالم الغربي عليها حرباً على القرصنة التي أنتجها الغرب ثم جعلها سرطان المسلمين, تماماً كما هو الشأن في قضية الإرهاب, فهو سلاح استعملته أميركا وروسيا في معركتهما على اقتسام السلطة في العالم الثالث وأوروبا, ثم صدّرتاه إلى المسلمين الذين وقعوا في الفخ تصوراً منهم انه يمكن أن يكون وسيلة لاسترداد الحقوق أو لاستئناف الدور التاريخي, تماماً كما حصل في القرصنة. لا يمكن حضارة من مستوى الحضارة الإسلامية التي كان سقفها الأول رسالة كونية أن تتحول إلى سلوك انتحاري لفعل وردود فعل فوضوية لا يختلف جوهرها عن حلول القرصنة في القرنين السابع عشر والثامن عشر, على الأقل من حيث النتائج البعيدة: توحيد كل الأعداء لمحاصرة الأمة ومنعها من تحقيق شروط الفاعلية الحقيقية التي لا بد فيها من الصبر والمثابرة البانية لشروط القوة التي قدمتها آية الردع على رباط الخيل.
فالإرهاب في القرنين العشرين والحادي والعشرين ليس أداة في خطة سياسية تحريرية بل هو سرطان ينخر كيان الأمة قبل أن يكون موجهاً إلى العدو: فقد يؤدي إلى جعل الأمة كلها في حال أشبه بحال طالبان والصومال. لذلك فلا ينبغي أن نقارنه بمعارك التحرير الوطني التي أجمعت عليها الأمة في إطار خطة ذات أهداف سياسية وحضارية موجبة. فرقعة هنا وانتحار هناك لا يضعفان العدو بل يقويانه لكونهما يحققان له شرط الالتفاف الشعبي في رأيه العام فيجعلان ظلمة ينقلب إلى معركة شرعية في منظورهم الأعرج. إنهما يقضيان على كثير من قدرات الأمة على التحرر وتحرير البشرية من الطاغوت ويلهيانها لئلا تدرك أن سر القوة هو تغيير النظام التعليمي والتربوي حتى يصبح بوسعهما تحقيق أداتي القوة المادية والروحية.
واحد في المائة مما صرف على شراء خردة الجيوش الغربية وفضلاتها أو تنظيم العمليات المزعومة جهادية, كان يمكن أن ينشر التعليم العلمي التربية الخلقية في كل العالم الإسلامي فيعيد إلى لغة القرآن دورها العالمي موحدا الأمة, وأن يكون معاهد علمية طبيعية وإنسانية وجامعات تفوق جامعات إسرائيل وأميركا قدرة على الإبداع, بدلاً من تحويل منظومة التربية العربية إلى مجرد مؤسسة لإنتاج العاطلين والثرثارين أو مؤسسة تابعة للأحزاب الجاهلة التي تنتج الطحالب في ميداني الإبداع الرمزي والعلمي المصابين بالإيدز في لحظتنا العربية الحالية. بذلك ملئ الكثير من صحفنا وتلفزيوناتنا ومنشوراتنا بالشعارات الجوفاء, فكانت الطريق المعبدة لعربدة شارون وعنجهية بوش.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام