
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
وحشية الإنسان في غزة وشروط العودة إلى القيم الخلقية
محمد عمر سعيد
ما يجري اليوم بأهل بيت المقدس أولى القبلتين لا يكون إلا ذو دلالات لا تنتهي عند حدود النعي والعزاء لذويه، فالعزاء الذي تعيشه الأمة في نكبتها اليوم يطال البشرية جمعاء، وقصف منازل أبرياء في القرن الواحد والعشرين دون أن تتحرك أي جهة لها القدرة على إيقاف قرار جماعة من الناس أرادت العودة بنا إلى عهود التوحش وقانون الغاب، لا يؤشر إلا إلى خلل في القيم التي تحكم العلاقات بيننا نحن البشر.
هذا الخلل الذي أبرزه المهرجان الكانيبالي عالي المستوى من الإخراج في كل جوانبه من إنتاج وتنفيذ وعرض تلفزيوني تساهم فيه تلفزيوناتنا، ويصارع فيه زعماؤنا الروحيين والسياسيين منهم على سواء أن ينالوا بطولته دون جدوى في سبيل إتمام تركيب المشهد الدراماتيكي الفذ!، والكانيبال آكلات لحوم البشر التي تتجلى في فلسطين اليوم في أخلاق كانيبالية بما هي في جوهرها فقدان الشعور الإنساني بإبادة حيوات بشر من الناس مهما كان ذنبهم فضلا عن الضحية التي هي صاحبة حق.
علاقات البشر ببعضهم البعض تؤشر إلى توحشهم المعنوي فلم يعد من أهمية لمظاهر مدنية يظن فيه بنو آدم أنهم قد تجاوزوا الماضي الذي يلازمه في مخياله ملازمة حيوية فاعلة لم تعرف تغييرا حقيقيا يذكر بدليل الحادث في فلسطين اليوم، والحديث هنا لا يخص قوما بعينهم لكنها علاقات لا تختص بقوم بعينهم، لكن تعبر عن جملة أرواح شعوب العالم ومعنوياتها هو جوهر حقيقة الوجود البشري.
إنه انحسار دور القيم في التاريخ البشري وتحديدا في مرحلتنا التي ندعي فيها أننا نصنع فيها البطولات العلمية والسياسية، لا شيء من ذلك يحدث حق الحدوث في زمن انقلبنا فيه على أعقابنا نحن البشر وصرنا نعيش مرحلة مستنسخة من التاريخ الطبيعي عوضا عن الاجتهاد في مواصلة السير في التاريخ الخلقي الذي خطه الأنبياء والعلماء خطا واحدا لا يفترق؛ ذلك كله في زمن تحالفت الكنيسة فيه مع البِيَع ضد المسجد حلفا مصدره دين دنيوي نتج عن هجين من تمركز مضاعف للانطواء المسيحي مع الاستعلاء اليهودي بعد اليقظة العرجاء لكل منهما ضد فكرة أقلقت المركزيتين عبر التاريخ، الأولى من قبيل العهد المحمدي والثانية بعيد انهيار حضارة المسجد الأولى. ولازمة كل ذلك المرحلية؛ إذ هي مجرد مرحلة ستنقضي بانقضاء زمنها وشروطها، لذلك فلا يجب بسط الفعل الإسلامي ثقافيا سياسيا أو اجتماعيا على أسسٍ مرحلية ستنقضي لكن وجب بسطه على مبادئ متعالية هي جوهر الإسلام وحقيقة القرآن.
والعمل على هدي المتعاليات سيكون بذاته سبب تفكيك الحلف المسيحي اليهودي، لكن ليس لتأسيس حلف مضاد، فالقرآن يعمل ذلك بقصه لقصص اليهود مع موسى والمسيحيين مع عيسى تفكيكا يتولى التاريخ تنفيذ الباقي من الخطة!، مركزيتان قدرت المشيئة الإلهية أن تتفقا في هذه المرحلة من تاريخ البشر، والرهان على تفكيك ذلك الحلف هو بتقويض أسسه الفكرية العميقة، ليس فقط بمواجهتها المباشرة وإنما باستكشاف أسس الذات الإسلامية الحقة في مصادرها الأولى دون الارتباط بالظرفيات، وهذه مهمة الفكر والمفكر المفترضة راهنا؛ إذ به وفيه يتمازج الظرفي في المتعالي وبلوغ أقصى درجات الفاعلية المشروطة بالفصل الصارم بين النظر والعمل، فحتى المواجهة المباشرة للتنظير الأكاديمي للمسيحية المتصهينة والمتجلية في رأسها برنارد لويس قد تغرق الباحث في ظرفيات تحيده عن جوهر القضية، خاصة عندما لا يمسك بزمام النظرة القرآنية المحصنة من الاندراج في الظرفيات، تماما كما قد أغرقت السياسيات العربية عن طريق إعلامياتها الشعوب العربية في المهاترات الظرفية الغريبة عن جوهر القضية. والخلاصة أن تحرير فلسطين لازمته تحرير الإنسان بكليته الذاتية أعني الأفراد وشموليته العالمية أعني جميع البشر .
وإن المحسوب على الظرفي السيء علينا اليوم هو التماهي الكامل بين النظرتين الدينية والدنيوية حتى اشتبهت الفواصل والحدود فصرنا نجمل في المفصل ونفصل في المجمل، الزمن يتطلب إدراكا عميقا لحقيقة التحالف المبني على تراكم هائل في التقنية والتاريخ جعل من الجغرافية لا معنى لها، لكنه بالمقابل عزز من أهمية المعرفة الحدسية التي هي الشرط الوحيد لبقاء الإنسان على إنسانيته، تعزيز مكانة المعرفة الحدسية بعد أن تجمدت المعرفة في أشكال من الحساب الرياضي الأجوف وأخرى من الشطحات اللغوية التي لا قيمة لها؛ فلقد أيقنت (من الأيقونة) الحضارة المعاصرة شكلا من أشكال العلم وعممت نتائجه فصيرتنا إلى التاريخ الطبيعي بعد أن اعتقدت بالعلم وحده سبيلا للتمكين حتى صارت تتكلم الآن عن أخلاق تطبيقية يتم توطيدها في الواقع الإنساني عنوة!
ختاما، عسى أن تكون غزة درسا لتغيير ما بالنفس التغيير الأصح فنتعافى من الأمنيزيا المزمنة التي انتابتنا منذ أمد بعيد، واسترجاع الذاكرة هنا بمعناه الحدسي بما هو استبصار لمعنى الضعف، نتحاشى فيه الوقوع ضحيةً لا حامي لها سوى ما كان بكاء ونحيبا لن يفيد في اتقاء المصيبة النازلة. فالإشكالية ممتدة الجذور ولن نجني سوى الدمار وخراب البيوت بعد الحرب، لا ننتظر نصرا إلهيا نحن لم نهيئ شروطه بعد فلا يجب أن ننتظر ينصفنا الزمان. ورحم الله شهداء همجية أبناء آدم.