


زبدة المناورات: تأجيل الانتخابات
أبو يعرب المرزوقي
كنت واثقا من أن مناورات هيئة عماية الثورة المضادة هدفها الوحيد هو أن تنتهي إلى ما انتهت إليه: تأجيل الانتخابات. والهدف الأعمق هو التمكين للفوضى من إقعاد قاعدة البلاد الاقتصادية بإيقاف عمل الدولة الطبيعي بمنطق الفراغ السياسي رغم كون كل من يدافع عنها شعاره: اتركونا نعمل حتى نعالج مشاكل البلاد. لكن الثوار الذين هم على وعي بأن مسار الثورة لم يكتمل بعد يدركون أنه عليهم استئنافه بعد فشل الالتفاف عليها لأن براقش قد جنت على نفسها فافتضح أمرها بقرارها التأجيل الذي يرفضه جل الشعب بمن فيه الحكومة المنصبة. ولست أقول هذا عن الثوار افتراضا بل هي قناعة خرجت بها بعد أن تجولت في الكثير من مناطق تونس وحاورت أجيالا من التونسيين وخاصة في داخل الوطن.
كنت واثقا من أن كل الشكلانية الدستورية والقانونية إنما تستعمل بمنطق العداء للثورة التي لم يشارك فيها أحد ممن تألفت منهم هذه الهيئة التي لا هيأة لها عدا عدم التهيؤ لخدمة الوطن: فمحرك أعضائها النافذين نزعة طائفية من أبشع النزعات الطائفية أعني اليعقوبية الفرنسية التي لا تعتبر تونس جزءا من الوطن العربي ومن الحضارة الإسلامية بل هي مقاطعة رومانية ينبغي أن تعود إلى روما الجديدة التي هي موطنهم الروحي الوحيد. كما أنهم لا يعنيهم مستقبل تونس أو حل أزماتها والتمكين لشبابها بقدر ما يعنيهم صغار رفاهيتهم وتعاليهم على أبناء الشعب الذين حققوا معجزة الثورة بل هم لا يعترفون لهم حتى بهذا الفضل وهم عندهم ليسوا إلا حفتريش وسخ العاصمة وأفقدهم سندهم الأساسي في فرض العلمانية اليعقوبية على الشعب التونسي أي ما يتصورونه عين الحداثة. وليس من عجب ففرنسا ليست راضية عما يجري في تونس بعد أن تبين لها أنها خرجت من المولد بلا حمص كما يقول المثل المصري.
ولهذه العلة مع كثير عداها- وأهمها أن الثوار الذين أسقطوا ابن علي أبعدوا عنها ونصب فيها غيرهم من رموز الفساد والانحلال البلدي والاستبلاد البدوي أعني نخب السمعة العلمية الأكاديمية والإبداعية الكاذبة بل وحتى من كتاب التقارير للداخلية- رفضت الانتساب إلى هذا الجسم الغريب الذي ليس هو إلا من أدوات حكومة الدهاليز الخفية المحركة لحكومات النظام القديم حكوماته الثلاث-ولعل بعض المعينين فيها من المغلوبين على أمرهم فتكون مشاركة في المؤامرة رغم أنفهم ربما لما لحكومة الخفاء عليهم من أوراق ابتزاز: ويمكن أن نختبر وطنيتهم في هذه اللحظة من خلال موقفهم من التأجيل خاصة وسنهم تفرض أن يجدوا في هذا الموقف فرصة التكفير عن ماض ليس مما يعتز به صاحبه- ليكون تعطيل الثورة عملا علنيا باسم خدمة الثورة. ذلك أن منطق الثورات لا يمكن أن يتلاءم مع جعل مصيرها وخاصة السعي إلى تحقيق أهدافها بيد أعدائها المعلنين:
فرئيس الدولة المنصب كان رئيس مجلس شهود الزور خلال عهد ابن علي جله.
ورئيس الحكومة المعين كان على الأقل ساكتا طيلة عهد أبن علي لئلا أقول أكثر.
ورئيس الهيئة المفروض منذ أواخر أيام ابن علي لم يخف عداءه الصريح لهوية الأمة باسم فهم عقيم للعلمانية وتفلسف بدائي في القانون الدستوري.
وجل أعضاء الهيئة أو على الأقل الجزء المحرك منها من أفسد النخب في التاريخ.
وفطر الأحزاب الجديدة من شر ما أنتجت الجامعة التونسية عندما تحولت إلى مكينة تفريخ الإيديولوجيات اللقيطة.
وذباب الجميعات المدنية التي تقتات من فضلات المعونات الأجنبية أو التي نصبها الدكتاتور ليس لها من هم عدا المشاركة في مآدب الأكل والشرب.
وأباراتشيك الاتحادات ليست إلا من عشاق الكراسي مع أي نظام.
فكيف يكون محركو الهيئة خاصة ومحركو الحكومة من وراء حجاب في هذه الحالة حريصين على مصلحة الوطن وهم لا وطن لهم عدا مصالحهم الضيقة التي شرطها الوحيد هو أن تصبح السياسة شريعة الغاب التي تقتضي ألا يكون للقيم الخلقية والروحية فيها وجود.
ما الحل إذن؟ آن أوان النقلة الحقيقية واستعمال منطق الثورة. ينبغي "تنظيف" الساحة من كل هذه المناظر وخاصة من محركي الدمى في العلن والخفاء وتحقيق شرط الشروط. وينبغي أن يكون ذلك بصورة سلمية وقانونية:
فبعد أن فشلت الهيئة في أداء دورها الذي عينت من أجله لا بد من حلها وإنهاء مهام أعضائها وخاصة المحرك منهم أعني لجنة الخبراء المزعومة ولجنة مراقبة الانتخابات.
وحتى نحترم الآجال لا بد من ترك مسألة المجلس التأسيسي لما بعد الانتخابات التي ينبغي أن تجري بمقتضى مرسوم مؤقت يحقق شروط انتخاب حكومة ورئيس جمهورية لمدة دورة واحدة بتعديل طفيف على قانون الانتخاب القديم يمكن من تحقيق شروط المشاركة للجميع حتى يعاد خلال هذه الدورة صوغ الدستور على مهل وبروية بالتوافق بين الأحزاب التي تنال الشرعية الانتخابية ويعرض المشروع على الاستفتاء الشعبي.
وحتى يتحقق ذلك لا بد أن تجتمع لجان حماية الثورة وأن تعين قيادات للثورة من بين أعضائها ومن بين أعضاء الأحزاب الوطنية التي كانت معارضة بحق- والعلامة هي ما عانته من اضطهاد خلال عهد ابن علي ولم تشارك معه في الحكم سواء قبل سقوطه أو حتى بعد سقوطه مع الحكومتين الأوليين-لكي تقر هذين الإجرائين بمنطق الثورة لا بمنطق الشكلانية الدستورية.
ولا بد من تحميل قيادات الجيش مسؤوليتها في حماية المسار الثوري الذي لم يكتمل كما يدعي فيمكن لها من أخذ الحكم وإدارة الدولة سلما لئلا تدخل تونس في حرب أهلية إذا تمكن هذا النوع من النخب الفاسدة من إيصالها إلى أن مرحلة الركب الحاثية فتفلس الدولة بسبب توقف وظائفها والفوضى التي يسعون إليها فيصبح الشعب أميل إلى الوضع السابق على الثورة.
وقد سبق فأشرت إلى أن مستقبل تونس قد أصبح في مهب الريح بمجرد أن أصبحت الهيئة التعيسة تولي وتعزل وتحدد الآجال وتشرف على الانتخابات في حين أنها قد اعتمدت على أفسد طرق التعيين لتكون ما هي.
المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |